إشكاليَّة الوطن في رواية “مشرد البوسفور”. للكاتب “محمد زعل السلوم”

إشكاليَّة الوطن

في رواية “مشرد البوسفور”. للكاتب “محمد زعل السلوم”


بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد


مقدمة:

من الواضح أن إشكاليَّة الوطن عند “محمد زعل السلوم”، أدّت إلى خصومة عاتبة ليس على جغرافية الوطن، بل هي خصومة الحياة والكرامة الإنسانية المهدورة في الممارسات والإجراءات الدكتاتوريّة الممسكة بخُناق سوريا منذ 1958بمجيء حكم الوحدة، مرورًا إلى عهد الانفصال، وما يليه في 1963من سيطرة العسكر على مقاليد الحكم، وصولًا للمرحلة الحاليّة الأكثر سوادًا وقتامة في التاريخ على الإطلاق.

“محمد زعل السلوم” هو شبيه وطنٍ نُسخةٌ طِبقَ الأصل، يحمل وطنًا في دواخله، مُرتحل معه أينما حلَّ، وهو مُرتحِلٌ بذكرياته هناك في الوطن سوريا، وربّما تركها هناك ليس نسيانًا، بل عن سابق إصرار وتصميم.. لكي لا ينسى. اِرْتحَل محمد عن كلِّ الأشياء التي أحبّها وألِفها، وارتحلت عنه الأشياء جميعها تباعُدًا، مثله كمثل ملايين السُّوريين. أشواقه ترسم لوحة حنين بملامح الدُّموع والابتسامات، عندما أصبح مُشرَّدًا على البوسفور، اشتغل على تثبيتها في عمل روائي. 


العنوان:

جاء عنوان الرواية من كلمتين هما عتبة الرواية، وهما أوجز الوجيز بدلالتهما على فكرة الرواية عمومًا، وبالتحليل نتوقَّف عند الكلمة الأولى. 

*المُشَرَّد.. المُهَجَّر.. المَطْرود من دياره كلّها تدور في فلك المعنى الذي سنتتبّعه من خلال اللّغة: (شَرَّدَ – فعل- و يُشرِّد، تشريدًا؛ فهو مُشرِّد، وشَرَّدَهُ: طرَدَهُ وتركه بلا مأوًى، تَشَرَّدَ أَهْلُ القَرْيَةِ: تَفَرَّقُوا، تشرّد بين الأزقّة والشّوارع: تسكّع. شَخْصٌ مُتشرِّد: لا بيت له ولا وظيفة، يتجوَّل بدون هدف مشيًا على الأقدام، قائمًا بأفعال غريبة أو سائلاً الناسَ لكسب معيشته) قاموس المعاني الإلكتروني.

*(البوسفور) ممرّ دوليٌّ يقع في اسطنبول. تركيّا. (البوسفور أو مضيق إسطنبول يصل بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ويشكّل مع مضيق الدردنيل الحدود الجنوبية بين قارّة آسيا وأوروبّا، ويبلغ طوله 30 كم، ويتراوح عرضه بين 550 متر و3000 متر). مصدر ويكيبيديا. 

مُشرّد البوسفور:

هو “محمد زعل السلُّوم” شريد العواطف وذكريات الطفولة المغروسة في رُبى هضبة الجولان المُحتلّ منذ عام 1967. تشريده الأوّل من دياره على يد عدوٍّ مُحتلٍّ غاصبٍ. واليوم يُعيد سيرة التشريد من جديد على يد أبناء الوطن. عند هذه النُّقطة تتساوى العداوة والكراهة والمعارضة للعدوّ ولبطش الدكتاتور. 

التشريد سِمَة العصر، والمُشرّدون طوائف مختلفة من البشر على العموم. وماذا لو كان المُشرّد شاعرًا وروائيًّا، ومُترجما وباحثًا ك”محمد زعل” ، لا شكَّ أنّه سيكون فيلسوفًا بامتياز. وفي مثل حالته سأُطلق عليه فيلسوف المنافي، أو الفيلسوف المُشرّد، وهو ملموس في رُؤاه المُثبتة في روايته “مُشرَّد البوسفور”. 

بالتوقُّف عند مقولة: “محمد الماغوط” في وصفه ل”زكريا تامر”: (بأنّه مطرقةَ من حديدٍ في وطنٍ من فُخّارٍ)،ص35. 

ولعلَّ “محمد زعل السلوم” بتأمّلاته الفكريّة المُعمَّقة، وهو يقف ذات مساء على حوافّ بوّابة الشرق البوسفور حالمًا بالحريّة؛ استذكر سبب تسميته في التراث اليوناني: (وهو ممرُّ البقرة، وذلك نسبة لحكاية أسطوريّة قديمة، تقول: أنّ “الإله زيوس” حوّل محبوبته “أيبو” إلى شكل بقرة؛ خوفاً عليها من غَيْرة زوجته؛ فعلمت زوجتهُ بذلك؛ فسلّطت عليها ذُباباً؛ فهربت منها “أيبو”، وعبرت هذا المضيق، ولذلك سُمِّي “بوسفور” المشقّة، والكلمة مُشتّقة: من كلمتَيْ (بوس) وتعني البقرة، و(هوروس) يعني المضيق، واجتمعت الكلمتان بمفردة واحدة (بوسفور). مصدر ويكيبيديا. 

تأكيدًا لذلك، أعتقد أنّ الجغرافيا تفرض شروطها على الحياة عمومًا، ومن هنا فإنّ رواية “مُشرّد البوسفور”؛ فالمكان بتاريخيّته القديمة؛ فرض فكرة الشّرود والتشريد منذ عصر آلهة اليونان القديمة، وشرود “إيبو” معشوقة “زيوس”. والسلّوم ليس ك”زيوس” باحثًا عن عواطف ورغبات، بل هو ساعٍ؛ لمتابعة طريق الحياة الممتدّ من دمشق إلى البوسفور، من باب الجابية إلى بوّابة العبور إلى بلاد الشِّمال الوفيرة بكلّ شيء. 


وصف الرواية:

“مشرّد البوسفور” رواية منتمية إلى الواقع بجميع تفاصيلها، وتُصنّف في خانة أدب الثورة السوريّة 2011، وأدب اللّجوء المصطلح الجديد لشيوع الحروب واللُّجوء على نطاقات واسعة، وهي من فئة الرواية القصيرة “النوفتيلا” وجاءت في سرديّتها كجزء من ذكريات كثيرة، الذّاهبة باتّجاهها الشخصيّ؛ لتظهر بملامح سيرة ذاتيّة للكاتب، وهو الرّاوي الأساسيّ للأحداث في الوقت الحاليّ، جاءت على محمل الذكريات، واسترجاع للماضي في جزء كبير منها، وهو توثيق دقيق بانتقائيّته للتفاصيل بما يخدم هدف الرواية العام. 

كما أنّ الرواية جاءت على شكل لوحات مُتموضعة كلّ منها تحت عنوان دلاليّ لكل منها، هذه اللوحات متباعدة زمانيًّا ومكانيًّا ذات أبعاد ثقافيَّة، دالة على تجذُّرها في أعماق الروائيّ. 

للقارئ أن يذهب بتفكيره بداية إلى عدم تجانس هذه اللَّوحات في بناء تراتُبات الرواية، وبوقفة بسيطة يتبيّن أنّ رابطها الأساسيّ ما جادت به الذاكرة، ومن ثمّ الرَّاوي (الكاتب نفسه) كونها سيرة ذاتية. هذه العوامل هي ما جعلت اللّوحات تتقارب وتتلاصق بشدّة لملء الفراغات؛ لتنتج عملًا روائيًا متناسقًا يتقاسم الحياة والفنون والتاريخ والفنون. 

لغة الرواية سلسة غير مُجهدة للقارئ “اللّغة البيضاء” الأقرب للمتداول على ألسنة الناس عُمومًا. وتوصف أيضًا بالرواية المثقّفة، لانتقالاتها الكثيرة بين لوحة وأخرى، وتفاصيل كل لوحة من مقابلات ومعارف وقراءات وشعر وأساطير وصحافة وإعلام. 

المكان الذي رُويت فيه أحداث الرواية مدينة “استانبول”، تزاوج السرد بتعانق محبة امتدّ من دمشق إلى استانبول. واتضح من الأحداث الربط التاريخي فيما بين الشام واستانبول، من الوشائج والروابط المتينة الجامعة لمكوّنات الأمّة العربيّة والإسلاميّة. 


إشكالية الوطن:

ما الحاجة إلى وطن لا أنام فيه بأمان بملء عينيَّ، هاجس زُوّار الفجر سيطر عليّ، ما حاجتي إلى وطن مُعفّش بأيدي حُماته، الذين تركوا حماية حدود الوطن ساحة فارغة للعدوّ الإسرائيليّ، إذا كان رغيف الخبز صعب المنال في وطني، فأصبح شحّادًا على جميع بُوّابات العالم. وإذا فقدت الأمان في وطني؛ فسأبحث عنه في أي بقعة من هذا الكون الوسيع. هذا هو لسان “محمد زعل السلوم” مثله مثل كلّ السُّوريّين الذين فرّوا للأسباب الآنفة الذكر. وللقارئ بعض الاقتباسات من رواية “مشرد البوسفور”؛ المغنية بدلالتها الدقيقة على إشكاليّة الوطن فيها:

-(إلى زهور الزنبق التي عرفتها من ذوي الفضيلة العظيمة، إلى كلِّ من أحببت وأحبُّ، وسأحبُّ فأنت ميِّت ميِّت، وأنا ميت ذلك أقول لك ميت أو ميت ومع فأنت حي مزروع في ذاكرتي فلا تدعوا أحد أن يدفعكم على الصراخ ولا تدعوا أحد يصرخ فحتى تنالوا المجد كونوا مشغولين، وأشغلوا أنفسكم بما هو خير لكم لا تُضيِّعوا أوقاتكم، إنَّه ببساطة المجد … كونوا مجانين إن كنتم صغار أو كبرتم ابقوا أطفالا، ومهما قيل أو سيُقال: كونوا أنتم بعيداً عن البلاهة السوداء والظلامية، تابعوا حياتكم، وأنعشوا آمالكم المقدسة… اذهبوا وعيشوا، أو موتوا في مساحات الأمل)ص14.

-(أرفض الطاغية الموجود في داخلي، وكأنَّ سوريَّا كلمة ترتبط بكلمة طاغية، ولكن ذاكرتي أيضًا ترتبط بعيون الشام الجميلة التي لا تفارق وجداني الكليل حين تستعيدها ذاكرتي طبعا دفنت مستقبلي في بلدي واعتبرته وطن العار والمقتلة التي لا تتوقف والعجز الدائم وعدم الفائدة أو الجدوى من تغييره لا اليوم ولا بعد عقود وحتى أجيال، فهي بلاد ميتة لا يمكنني إمساكها ولا نفض الغبار عنها) ص18. 

-(فأنا بالفعل خارج نفسي أحاول كتابة شهادة حقيقية عن ظلام دامس حل في نفوسنا ومسار غير واضح ومهلكة دمرت ذروة فرحتنا في أقبية معبد افتقد للشرف لا أطيع إلا ذاتي غيرت بوصلتي وغامرت في محنتي مثل ملايين السُّوريِّين، فلكلّ محنته الخاصَّة معي، ومع كل نيَّة طيِّبة، لتفسح المجال أمام قوَّة الطبيعة البشريَّة في البحث عن أمل في صناعة وطن لا يرتبط بأرض ولا بشر) ص20. 

-(إنَّها الحاجة لاقتراف جريمة الحياة مودِّعين آخر ملامح الموت، وقد رسمت على وجوهنا الشَّاحبة ما تمزَّقَ في داخلنا، بحيث لم يعُد بالإمكان الشِّفاء ممَّا تمَ فصله وانتزاعه منَّا، وكأنَّ قوافل اللَّاجئين السُّوريين تُنشِد “الهابانيراس” كالجنود الإسبان، الذين خسروا أرضهم الموعودة؛ ليعودوا للأرض بعد تحليق، ويعودوا لإسبانيا، وهذا الحزن والشَّجن، وقد تحوَّلنا لجُثَث مُتحرِّكة و”زومبي”؛ فقط يبحث عن اللَّاشيء بلا روح؛ فهذا ما يريده أعداؤنا أعداء البشر جميعاً، الطُّغاة والقتلة اللُّصوص والسرَّاقين المُتسلِّقين والانتهازيِّين. نحن نعيش ونستمتع بحياتنا، ونصنع ما نريد لأنَّنا خُلقنا أحرارًا، وسنعيش أحرارًا، ونموت أحرارًا، وكما هَمَسْتني حبيبتي الإيطاليَّة بعبارتها “لافيتا دولتشي” نعم “لافيتا دولتشي”، وليذهب الطاعون للجحيم) ص24.

– (اتَّفقنا أن نبتعد قليلًا لنشتاق، لكننا نسينا أن نعود) ص28. 

– (وتُذكِّرني القصة. بمقولة محمد الماغوط في وصف زكريا تامر (بأنَّه مطرقةٌ من حديد في وطن من فخَّار)، فأوطاننا تشبه قطعة الادلين الفرنسية، رغم أن الفران التركي أنكر فرنسيتها وأن اسمها (بيزديه) مع تفتيلة شوارب واعتزاز وشهيق رافع للصدر وانتفاخ رئوي، ولكن من لا يعرف مادلين؛ فطعمها يشبه القباقيب التي كنا نبتاعها من سوق الحميدية، لكن قباقيب الشام أمتن وأمكن؛ فيجب أن تكون أسنانك مطرقة حديدية بالفعل لقضمها مع أنه  قبقاب، يشبه “قبقاب غوار” الذي خان الضمير الإنسانيّ لكلّ سوري منذ انطلاقة الثورة السورية، وانحاز لمذهبه الدمشقيّ الشّيعيّ في دعم طاغوت دمشق. لكنه صناعة وطنية وأقصد القبقاب، کما تغنّى بهذي العبارة أيمن رضا بإحدى مسلسلاتنا السّوريّة التي لا تنتهي) ص35+36.

– (وبالفعل تمكنتُ من التأكُّد، وكعادتي في هواية الضياع) ص38.

– (كلاب بلادي أجبرتني على الركض أمامها طوال الوقت إلى أن تخلصت من فوبيا الكلاب) ص40. 

-(فالسلطة لدي محرد قرف شعارات مجوّفة، وترف تصرفات زائفة وفارغة … أفضل الحرية؛ لأفكر والراحة الأكبر لأكتب) ص45. 

-(بعض المِزاجيِّين يستحكمون في هذه الآلة الرَّهيبة، والكثير من اللُّصوص والفيتامين واو، ومُنَزِّلات السَحَّابات ورافعات السِّيقان والمُطُوبْزين للدُّولارات …) ص48. 


الخاتمة:

الخاتمة لا أعني بها النهاية؛ فالطَّريق ما زالت طويلة لم يبلغ السوريُّون برّ الأمان، ولم يبلغوه في ظلّ مؤامرة عالميَّة بين الشَّرق والغرب المُعادي لقضايانا العربيَّة والإسلاميَّة العادلة. 

“محمد زعل السلّوم” لن أقول عنه إلا أنَّه الوجه الآخر المُشرِق للوطن سوريا. مهجوسٌ بالرَّفض لكلَّ ما يمسّ الوطن، خرج مُكرهًا من دمشق، ليعيش أجواء الحريَّة في إيصال صوته للعالم أجمع، مُحاولًا شرح قضيَّة شعبه العادلة الثائرة في وجه الظُّلم، والدكتاتوريّة الجاثمة على صدر سوريا، والانحياز الواضح للكرامة وحقوق الإنسان السّوريّ وغير السّوري في هذا العالم المُترامي الأطراف. 


عمّان – الأردن

20/ 12/ ٢٠٢١

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s