دينا سعيد عاصم: انسحاب تكتيكي


دينا سعيد عاصم: انسحاب تكتيكي

استيقظ في الصباح وقلبه خال من أي شعور إلا انقباض غريب، التفت بجانبه فلم يجدها اعتدل وقد تذكر، لقد غادرت أمس.

ظل جالسا في فراشه ينظر لمكانها الخالي، كانت لتتمطى بجانبه وتفتح عينيها لتبتسم وتقول له “صباح الخير ” ثم تتعلق برقبته قليلا كأنها افتقدته، ثم تقفز من فراشها كالقطة هو يتابعها في خطوها الرشيق متجهة لحجرة الولدين.

تنهد ثم قام من فراشه ليأخذ حمامه اليومي وخرج ملتفا بمنشفته فلم يسمعها تدندن بأغاني فيروز ولم يشم رائحة خبزها الشهي وهي تعد الإفطار، ولا صوت الصبيين يتشاجران وضحكتها الطويلة الرائقة التي يهرع دوما ليضع يده على فمها ليسكتها فتتملص منه ضاحكة وهي تقول بدلال ( كئيييب)

دلف للمطبخ ليعد كوبا من الشاي، وجده بلا رائحة شهية وبلا دندنة.

كانت تسرح كثيرا وهي واقفة، يرقبها أحيانا تتمايل كطفلة لاهية مع أغنية أو منهمكة في شيء ما كامرأة طاغية الحضور مسيطرة على كل ما حولها حتى الجماد.

ها هو مطبخها الآن خاو على عروشه يبكي ربته الأثيرة.

عاد لحجرته وقد عافت نفسه الإفطار بدون نغمات صوتها الضاحك، ارتمى مرة أخرى على سريره مفتقدا سحر تواجدها.

كانت لتهرع إليه الآن وتستلم رأسه لتريحه على صدرها الحاني وتتخلل روحه وكل مسامه عطورها الحلوة، تداعب شعره بأصابعها الرقيقة الناعمة وتهمس له بثقة (لا تحمل هما)

حنق على نفسه متسائلا “ماذا يريد أي رجل أكثر من هدأة على صدر امرأة تحتويه، هذه والله لحظة بعمر كامل” وكانت لتضاحكه برقتها وخفة ظلها المعتادة حتى ينسى همه ويغرق معها في وصلة حب جميلة وسعادة خالصة.

ذهب إلى عمله ذاهلا وما إن جلس على مكتبه حتى داهمته صورتها مع الولدين تبتسم بثقة ودلال، تلفت حوله فاخترقته نظرات زملائه متباينة ما بين شماتة لإشفاق لاحتقار، طأطأ رأسه.

اقتربت منه ” نجوى” في دلال مصطنع، هالته – لأول مرة – أطنان التبرج على وجهها وأظافرها الطويلة الشيطانية المضرجة بلون الدم وشعرها المصبوغ بلا ذوق، كيف لم يلحظ كل هذا!

تذكرها هي بنظافتها المعهودة واظافرها النظيفة المهذبة وقدميها الصغيرتين الناعمتين وشعرها المضمخ برائحة الياسمين، تذكرها كلها وكيف كانت عنايتها الشديدة بالتفاصيل، كيف تركها تنفلت من يديه، شعر بغثيان شديد فغادر مسرعا.

كان يقود سيارته وكلماته بالأمس تدق رأسه (هذا أنا ولن اتغير وهذه حياتي، اقبلي أو ارفضي، علم أنها لاحظت ما بينه وبين زميلته، كانت تلحظ انهماكه على الانترنت وانشغاله به وسهره عليه رغم عمله الصباحي، وسكتت لتراقب في هدوء حذر.

لا يدري كيف نسى الجهاز مفتوحا واستيقظت هي ذات ليلة لتقرأ ما كتبه لنجوى.

كيف تورط مع نجوى وهو لا يحبها، ولا يعرف حتى ما كان يريد إثباته لنفسه والآخرين بعلاقته بتلك ال… ولا كيف وصلت علاقتهما للحديث المحموم على الانترنت رغم حبه لزوجته!

كنت في البداية أتباهى بها، بزوجتي، ثم بدأت أحاول إخفاءها، ثم أضجر من التفاف الناس حولها في كل مكان، مهما اجتهدت في إخفائها، جبارة حقا، لم يكن لمثلها أن يختفي، تتابعها الأنظار أينما وجدت ليس لفرط جمال، فهي جميلة بالفعل ولكن هناك شيء غامض أعمق من الجمال الظاهر، روحها، نعم روحها لها جاذبية شديدة.

أحد أصدقائي يدعوها “ما قل ودل” هذا الصفيق لم يكن يخجل من تكرار تلك العبارة أمامي عنها.

سكتت على ما يحدث، ولكن وجهها خفتت ضحكته، ثم بدأت تشير لغيابي بعزة نفس وقوة، كأنها تنذرني، ثم توقف العتاب متحولا لهدوء مخيف، نعم ها أنا أتذكر، كنت أعود ليلا لأجدها قد وضعت الولدين في فراشها وتوسطتهما، على وجهها تقطيبة حزينة ودمعة ربما حاولت أن تخفيها فسالت رغما عنها أثناء النوم ، كان شعوري ساعتها خليطا من الإشفاق والتشفي المريض !

وهي بصمتها، كأنما كشفتني وتوغلت بداخلي، فضحت دوافعي الخفية، اكتشفت غيرتي منها وعليها!

ورويدا رويدا بدأت تهملني، تتجاهلني، تتعمد حرماني من رعايتها بسحب كل اللمسات الفارقة التي صنعتها في حياتي، وأبقت على الضروري فقط، أصبحت شبحا لا أكاد أراه، كانت تتراجع ببطىء وتصميم.

يا الله من أين أوتيت تلك القوة والثبات والصبر، توقعت انهيارها وانصياعها لي وللأمر الواقع، ولكنها بثقة فائقة لملمت روعتها من حياتي واختفت فجاة، كأنها قررت منذ زمن وحددت خطواتها، كانت تنسحب تدريجيا وبشكل تكتيكي.

حزمت حقيبتها واصطحبت الولدين وغادرت دون أن تنظر خلفها.

توقعت أن يعيدها أبوها في نفس اليوم، ولكن مر اليوم والليلة ولم يتصل أب ولا أخ، وها هو نهار آخر يمر وليل آخر يهجم علي بوحشته.

كان أن عدت للمنزل  وأدرت المفتاح ودخلت، تمنيت ان أجدها عادت، لكني لم أسمع صوتا للولدين وهي تستذكر لهما ولا وجدت كتبها الأثيرة على الكومود بجانب السرير.

كم كنت أحب أن أدخل فأجدها مستلقية على ظهرها واضعة ساق فوق ساق وعلى وجهها ابتسامة أو تقطيبة، حسبما تقرأ.

أحيانا كنت أدخل فأجدها مستغرقة في النوم محتضنة وسادتها وشعرها مسترسل وعنقها له بهاء وضىء.

جلس على كرسيها الهزاز وهو يفكر في أمرها، كيف نجحت في الاستحواذ عليه بسطوة هائلة، وهو الذي جرب النساءوصال وجال شرقا وغربا منذ صباه.

مد بصره نحو المائدة المتأنقة بفضل صاحبتها (الغائبة الحاضرة) فوجد دفترها الوردي، ظل يتأمل لونه ثم تناوله وفتحه فوجدها كتبت بخطها الرقيق عبارة غريبة.

 “هناك امرأة تملأ حياة الرجل بالتفاصيل الرائعة وهناك امرأة تملأ بعضها وهناك امرأة تتركها فارغة باردة كالموتى، وهناك من تملأها نكدا وهما وتفاصيلا مقبضة مليئة بالقرف والبرود ” ثم إمضائها الرقيق.

يا الله، إنها تضع إمضاءها على صفحة حياتي، تختمها بتأثيرها الباذخ، تؤرخ لنفسها فيها، لن أفلت منها، إنها تحتلني تماما، رباه ما الذي كنت سأضيعه مني من أجل عالم وهمي، خبط على جبهته وقام مسرعا متجها إلى الخارج، إلى بيت حميه وهو يتساءل، ترى هل ستقبل!

*كاتبة وشاعرة من مصر

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s