د. محمد لطفي: النَسْرُ .. والحمامة



كان زواجا” تقليديا، ذلك الذي جمعَها بذلك الشاب الجامعي المنحدر من بيئة شبه ريفية، أقلُّ مايقال عنها أنها تقليديةً ومُحافظة.

بنفس الوقت، كانت ثقافةُ وبيئة عائلتها ليسَت ببعيدةٍ عما كان سائدا في أوساط بيت حمائها الجدد.
والدها ذُو التعليم المتوسّط، كانَ يتحدَّرُ أساسا من ذاتِ المدينةِ الصّغيرة التي وُلِدَ فيها زوجُها، فيما كانَت والدتُها سليلةَ إحدى عائلاتِ حلبَ العريقةِ، ولكنْ المحافظةِ أيضا بنفس الوقت.

كان زواجُها تكليلا لسلسةِ أحلامٍ عاشَتها في صباها، واستمرَّت لما بعد تَخرِّجها من المعهد المتوسّط، الذي لم تُتِح لها نتائجُ تعليمِها الثانوي خيارا آخرَ غيرَه لمواصلة الدراسة.

بدأَتْ معَهُ أُولى محاولاتِ تحويلِ الحُلمِ إلى الواقع.
حاولَتْ أن تجعلَه نَسْرَها الذي يَفرِدُ جناحَيه على وِسعِ المدى، علَّهُ يُتيحُ لها براحا من الدفء والأمانِ، تارة لتُحلِّقَ فيه إلى جانبِهِ، وغالبَ الوقتِ، لتبقى تطيرُ خلفَ ظلِّهِ.

نعم ستبقى طِوالَ العُمرِ خَلفَهُ، لنْ يَضيرَها ذلك أبدا، فطقوسُ المجتمعِ السائدةِ آنذاك، لا تسمحُ لطائرٍ أنثى مثلَها أن يتجاوز بحلمِهِ مرحلةَ الحمامةْ. وهذا جلُّ ما يحتاجُهُ مجتمعٌ تَحكُمُه النُّسور.

اعتادَتْ على لعبِ جميع الأدوار التي كانتْ تقتَضيها طقوسُ البيئةِ الهَجينةِ التي بدأت تتبلورُ في بيتِ الزوجيةِ مع توالي الأيامِ والأشهرِ الأُولى من سنين زواجِهِما الأُولى.

فبعد أن رُزِقا بطفلتِهِما الأولى، سرعانَ ما انكمَشَتْ شخصيتُها طَواعيّة، لتتمثَّلََ دورَ الأمِّ الصغيرةِ في معظمِ الأوقاتِ، ولابأس هنا من استراقِ بعض الساعاتِ لتعودَ فيها مؤقّتا، للعبِ دورِ الزوجةِ المطيعةِ، طاعة مُطْلقة لزوجها وراعي بيتها، خاصة في المناسباتِ التي كانتْ تجمعُها مع نساءِ باقي ذكورِ عائلةِ زوجِها، اللّاتي كُنَّ يتبارزْنَ ويتباهَينَ فيما بينَهنَّ، بدرجةِ ذوبانِ وتَماهي شخصِ وشخصيّةِ كلٍّ منهُنَّ في شخصِ الزوجِ المُبَجَّل.

وفي المساءِ المتأخَّر، كان لابدَّ لها من أن تشحذَ كاملَ طاقاتِها، لتعاودَ قليلا لعبَ دورِها المحبَّبِ لها، كامرأةٍ تتوقُ لاحتضانِ زوجِها العائدِ من مُعترَك يومِ عملٍ شَاق.

لَبسَتْ لهُ أجملَ ماتيسرَ لها من ثيابٍ، فهي لم تكن تتحصّلُ منهُ على الكثير منها، بِدعوى حُرمةِ التَبذير.

ومع ذلك، كان قميصُ النومِ الأبيضِ الذي ابتاعَهُ لها من سوقِ الحميديّةِ ذاتَ رحلةٍ لدمشق قبلَ سنين، هو المحبَّب لقلبِها رغمَ قربِ بَلائِه و (بطلانِ موضَته).

حينما ترتَديه، كانتْ تحلِّقُ في فناءِ البيتِ الصغيرِ، فتَرجِعُ بالحالِ، تلكََ الحمامةِ الحالمةِ بالغفوِّ تحت جناحَيْ نسرِها الوارفَين، وتلكَ كانتْ آنذاك أقصى أمانِيِّها.

وهكذا، باتَتْ تسارعُ لَه في كلِّ مساءٍ، لتستَقبلَهُ في عُشّهِما الوَثير، ولتُغمضَ عينيها، مُستَسلمة لضرباتِ جناحَيه القويَّين، منتظرة لحظة أو لحظاتٍ من الرَّغبة والنشوةِ التي لطالما رسَمَتْ خيالاتِها، وشكَّلَتْ طُوَيفَها طيلةَ سنوات الشّبابِ المتأجِّج.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s