روما الثالثة الجديدة ونبوءة إيفان الرهيب في عقلية بوتين البيزنطية

روما الثالثة الجديدة ونبوءة إيفان الرهيب في عقلية بوتين البيزنطية

محمد زعل السلوم

لا يوجد نص طويل في التاريخ والثقافة الروسية لا يقتبس من فيلوثيوس من بسكوف. هيغومين من دير يليزاروف في الوقت المحوري لإيفان الرابع الرهيب (والمعروف بمجازره في حق المسلمين في تتارستان وسيبيريا وقازان وباشكيريا ومحاولته احتلال بولندا والسويد وليتوانيا)، فيلوثيوس هو مؤلف رسالة مشهورة جداً من 1511 إلى الدوق الأكبر باسيل الثالث، ابن القيصر وخليفته. في ذلك، أعلن الراهب النبوءة التالية : “اسمعني، أيها القيصر التقي : لقد اجتمعت كل الممالك المسيحية على مملكتك وحدك. سقط اثنان من الرومان، وثالث يقف، ولن يكون هناك رابع. أسطورة روما الثالثة، وريثة بيزنطة، وريثة روما الأولى، تحافظ على النظرة الروسية للعالم وتصلّبها منذ ذلك الحين ودون انقطاع، نظرة الذات لهذا البلد – عن قوميته – والمهووسة بأن تصبح الرأس الروحي للعالم، منارة وقبلة لبعض رسائل الفداء للبشرية جمعاء.

“الشرق السابق، المضيء” من الشرق النور. بعض النور، مهما يكن. النور الحضاري الذي يتخيله القياصرة، بدءاً من ايفان الرهيب، وليعلنوا أنفسهم منارة ستكون ثلاثية الأنوار : نور الأرثوذكسية، مبدأ Gosudarstvo ، بمعنى مبدأ السلطة أو الحكم الروسية، ومبدأ المجتمع المثالي، عن اكتشاف – أوضح بيردياييف (نيقولاي ألكسندروفيتش بِرديائف، فيلسوف ديني وسياسي روسي، ولد بمدينة كييف، لعائلة أرستقراطية، ويعتبر أحد أهم رواد الفلسفة الوجودية المسيحية. 1874-1948) في عام 1946 في ” الفكرة الروسية” – “أن الرجل ليس وحيداً، وأن مستقبله ليس عبداً حتى الموت، وأنه يشكل جزءاً فريداً لا يمكن تعويضه من المجتمع”. إن السلافوفيليين في القرن التاسع عشر (السلافوفيليين هو مصطلح صاغه الشاعر الشهير كونستانتين باتيوشكوف ويقوم على فكرة الشخصية الروسية وردة فعل على الغربيين) ووجوديي القرن العشرين سيطلقون على هذا المجتمع اسم sobornost ‘،”التوفيق” ( السوبرونوست أو التوفيق بالروسية هو مصطلح استخدمه على سبيل المثال، إيفان كيريفسكي وألكسي خومياكوف، للتأكيد على الحاجة إلى التعاون بين الناس، على حساب الفردية، على أساس أن المجموعات المتعارضة تركز على ما هو مشترك بينهم. اعتقد خومياكوف أن الغرب يفقد وحدته تدريجياً لأنه كان يحتضن أرسطو وفردانيته المحددة.) : أخوّة كنسية بين البشر مرتبطة، ليس بالأخوة كما يُفهم في الغرب، وتتألف من مجموعة مبنية لمنفعة أكبر للأفراد الذين يشكلونها، ولكن بالإيمان بالمثل الأعلى الإلهي الذي يسمو. ليس بسبب الأديلفيا، أي حب الآخرين، ولكن بسبب زهد  ثيوفيليا، أي حب الله.

سيحدد مفكرون مثل نيكولاي لوسكي (كان فيلسوفاً روسياً، وممثلاً للمثالية الروسية ونظرية المعرفة الحدسية والشخصية والليبرالية والأخلاق وعلم القيم. لقد أطلق على نظامه الفلسفي اسم الشخصية الحدسية. ولد في لاتفيا، وأمضى حياته العملية في سان بطرسبرغ ونيويورك وباريس. 1870-1965) أو أليكسي خومياكوف (كان أليكسي ستيبانوفيتش خومياكوف عالم لاهوت وفيلسوف وشاعر روسي وفنان هاو. شارك في تأسيس حركة السلافيليا مع إيفان كيريفسكي ، وأصبح أحد أكثر النظريات تميزًا. كان ابنه نيكولاي خومياكوف متحدثًا في مجلس الدوما. 1804-1860) هذا النموذج بأنه “مزيج من الحرية والوحدة لدى العديد من الأشخاص بناءً على حبهم المتبادل لنفس القيم المطلقة”، مما يؤدي إلى تأطير دائرة الوحدة الكاملة والحرية الكاملة التي لم تكن كذلك. لتصبح متوافقة فقط، لكنهم افترضوا أنهم لبعضهم البعض. و يجب أن يكون المجتمع – كما يعلنون – كائناً حياً وليس آلية، ويجب التمييز بين نوعين من الفردية:  “الشخصية المعتبرة ليتشنوست بالروسية ” و”الفردانية نوست بالروسية”، هذا الأخير هو فردانية فاشلة ونرجسية، محاصرة في تشابهها و اجتيازها الجهل والخطيئة. قال خومياكوف إن أعظم تأكيد للحرية الشخصية يمكن تخيله لم يكن توكيد الذات، ولكن نبذ الذات في السعي وراء تلك الأخوّة التي لا يجد الأفراد فيها شيئاً غريباً عليهم، بل على أنفسهم، ويتخلون عن هشاشة الروحانية. العزلة، من أجل اتحاد حميم مع إخوتهم والمُخلّص، حيث يجدون كمالهم، أو بالأحرى ما هو كامل فيهم.

عندما أصبحت الإمبراطورية الروسية اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، فإن فكرة البعثة الحضارية لم تنفد، بل غيرت نفسها ببساطة : لم تعد موسكو الآن قبلة الأرثوذكسية، بل الثورة البروليتارية، ولكن كان ذلك من خلال إعادة تدوير المواد القديمة للفخر الروسي، باستخدام صفيحة معدنية وطلاء سوف يتقشر قريباً، مما يسلط الضوء على الأساطير المعتادة. في وقت مبكر من عام 1918، نشر الشاب جوزيف ستالين (وأصبح الديكتاتور المعروف فيما بعد) مقالاً يحمل هذا الشعار القديم عنوانه    Ex Oriente lux!  أي الشرق القديم وضياءه، عندما يستقر  زعيما ً في الكرملين، فإنه سيعزز عودة معينة للقومية الروسية، والتي تتجلى في برنامج الترويس التربوي للجماعات غير الروسية في الاتحاد، وإعادة تأهيل أبطال النظام القديم مثل ألكسندر نيفسكي (ألكسندر ياروسلافيتش نيفسكي وُلد في مايو 1220 وتوفي في 14 نوفمبر 1263 كان أمير نوفغورود وضواحيها أثناء بعض أحلك الأوقات في تاريخ المدينة. ويشيع اعتباره أهم شخصية في روسيا العصور الوسطى، وارتقى إلى مكانة أسطورية بسبب انتصاراته العسكرية على الغزاة الألمان والسويديين في مَعْرَكة نَيفا. 1221-1263) أو ميخائيل كوتوزوف (ميخائيل إيلاريونوفيتش كوتوزوف، من مواليد 16 سبتمبر 1745م، وتوفي يوم 16 أبريل 1813م، وهو قائد عسكري روسي ودبلوماسي سياسي معروف، اشتهر كوتوزوف بالانتصار الحاسم على جيش نابليون العظيم سنة 1812م، يجيد كوتوزوف اللغات الألمانية والفرنسية واللاتينية.) أو التعريف الذاتي لستالين نفسه مع إيفان الرهيب واستخدم، في خطاباته، التحية التقليدية للبطاركة الأرثوذكس : “الإخوة والأخوات، رفاقي الفلاحين … “. في الأسفل، كما يقول بيلنغتون في كتابه الأيقونة والفأس : تاريخ تفسيري للثقافة الروسية، فإن العالم الشيوعي الروسي “يتوافق بدرجة أقل مع نبوءات كارل ماركس من نبوءات معاصر روسي غير معروف تقريباً : نيكولاي إيلين (نيكولاي سازونتوفيتش إيلين – ضابط متقاعد روسي وكاتب ومفكر ديني، في الأربعينيات من القرن التاسع عشر أسس وقاد حركة ميلارية صاخبة من الملياريين من اليهود، أو اليهود إيليينيين التي استمرت في أجزاء من الاتحاد السوفيتي السابق حتى يومنا هذا.1809-1890)”. بينما كان الأول يكتب بيانه الشيوعي، أعلن الثاني في سيبيريا خبراً من صهيون (كتابه رسالة صهيون) وثورة متجذرة في التقاليد الروسية : كراهية أوروبا وعبادة المدفعية والازدواجية الأخلاقية في عالم منقسم بين إيغوفستي وشيطاني، رجال يهوه ورجال الشيطان، أو بين desbye   وoshuinye ، أولئك الذين يجلسون إلى اليسار وإلى اليمين من الله. تنبأ إيغوفستي بأن يخلق إمبراطورية جديدة من الأخوّة الكاملة والثروة التي لا يمكن التنبؤ بها من سانت بطرسبرغ إلى فلاديفوستوك.

في غضون ذلك، استخدم آخرون عبارة Ex Oriente lux!  في تحدٍ للثورة السوفييتية، للتعبير عن اقتناعهم بأن روسيا الحقيقية ستعود يوماً ما إلى حقوقها وسوف يسطع بريقها الحقيقي مرة أخرى. وهكذا كتب الفقيه الألماني والتر شوبارت، المحافظ والروسوفيلي، الذي كتب هذا النوع من النبوءة في الثلاثينيات :

“روسيا وحدها هي التي تستوفي الشروط لبث الروح مرة أخرى في جيل مزقته الرغبة في السلطة والركود بفعل الوضعية. وما قيل ساري المفعول حتى في الوقت الذي تتلوى فيه روسيا في خضم اضطرابات البلشفية. كما أن رعب المجالس سيمر مثل ليلة نير التتار وسيتم التحقق من العبارة القديمة Ex Oriente lux. هذا لا يعني أن الدول الغربية ستفقد معناها. سوف يفقدون فقط الاتجاه الروحي […] روسيا هي الدولة الوحيدة القادرة على تخليص أوروبا، لأنها، في مجمل مشكلة الحياة، تتخذ موقفاً مخالفاً لموقف جميع الشعوب الأوروبية. من قاع معاناته التي لم يسبق لها مثيل، سوف يستخلص معرفة أعمق للإنسان ومعنى الحياة، ويعلنه لشعوب الارض. لدى الروسي من أجله ظروف نفسية تفتقر إليها اليوم جميع الشعوب الغربية.

في عام 1991، انطفأ مصباح منارة موسكو مرة أخرى. والألم الناجم عن عدم وجود هدف تبشيري من شأنه أن يعطي مرة أخرى معنى وطاقة للأمة “الطاهرة” يتضح من حقيقة أنه بعد خمس سنوات، أطلق بوريس يلتسين لجنة، بقيادة مستشاره جورجي ستاروف، من أجل إلقاء الضوء على فكرة وطنية روسية جديدة. أخيراً، لم تسفر مبادرة القيصر الضعيف عن نتائج. لكن الأخدود كان مفتوحاً لبذرة من شأنها أن تعالج رمية النرد التالية، والتي تلخص بئر إنباتها النهائي ميماً معيناً والتي تدور في أيام الحرب هذه في أوكرانيا من خلال العالم السفلي السحيق لفورتشان (فورتشان هو لوحة صور باللغة الإنجليزية. ينشر المستخدمون موادهم بشكل مجهول، وتظهر المشاركات الأخيرة فوق البقية. ينقسم فورتشان إلي مجتمعات مختلفة وكل منها ذو محتوى وتوجيهات خاصة به. لا يمكن التسجيل بالموقع.) رجل أوكراني ينظر إليه من الخلف يتأمل الإغراءات المختلفة التي يقدمها الشيطان والملاك. الغرب هو الشيطان.  Latinstvo أنه في أيام ايفان الرهيب أصبحت الشتيمة أو القذارة للقول الروسي : “اذهب إلى لاتينستفو” أي إذهب للشيطان والإعلان عبارة عن سديم أزرق من الصور يميز فيه هتلر اثنان من الشواذ يقومان بتقبيل بعضهما، رزمة من الفواتير، كومة صغيرة من الكوكايين، علم الاتحاد الأوروبي أو حقنة (هيروين أو فايزر؟). الملاك، بدوره، هو روسيا المقدسة ويقدم بخوراً آخر مشكوكاً فيه من المطبوعات : عائلة تقليدية خصبة، دبابة، قباب كاتدرائية على شكل بصل، حاشية من محاربي العصور الوسطى، رأس يوري غاغارين بخوذته الفضائية.

أعادت روسيا، في العشرينات من القرن الماضي، اكتشاف أسطورة تعبئة تندمج في واحدة فقط من التخيلات الثلاثة العظيمة للماضي الروسي : الأرثوذكسية والقيصرية والسوفييتية. كما أن السوفياتية، ولكن المجردة من الماركسية اللينينية والأممية، تستخرج منها العصارتين السرديتين الثمينتين للثورة وغزو المستحيل، وتهدئة الساقين الأخريين لهذه الأسطورة الثلاثية : ثورة رجعية، المستحيل. الفتح، وانتفاضة دفاعاً عن الإيمان والسلطة. يستعيد بوتين، مع ستالين ضد لينين، نشيد اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية الذي تم تأليفه في ذلك الوقت ليحل محل الأممية، لكنه يستردها بتغيير الحرف لتمجيد “وطننا المقدس” أو “الحكمة الشعبية التي قدمها أجدادنا”.

مع هذه الوصفة، التي تم تكييفها مع المنتجات المحلية لكل بلد، يتم طهي اليمين المتطرف من جميع أنحاء العالم اليوم، وبرعاية بوتين : موسيقى ثورية لكلمات رجعية. تشكل جحافل روما الثالثة اليوم سلاحفها، ليس فقط في أوكرانيا، ولكن أيضاً في برلمانات لاتينستفو. وربما يتم تأكيد تنبؤ فيلوثيوس بسكوف، فالحلم البيزنطي قادم ليس فقط لأوكرانيا بل إلى فنلندا والسويد ولاتفيا ومولدوفا وبولندا وجورجيا وصولاً لبيزنطة القديمة التي أصبحت القسطنطينية ثم اسطنبول، وقدا فعلها بوتين في إحدى لقاءاته برجب طيب أردوغان حين وضع في وجهه صورة كاثرين العظيمة، وقد أطبق كماشته على بلاد الأناضول أوكرانيا شمالاً وسوريا جنوباً، ولكن إذا استمر القاذف النووي في الذهاب إلى المصدر، فلن يكون هناك حتى روما رابعة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s