كتب محمد زعل السلوم: السوري بين حبس تركيا ومقصلة سوريا


أنا محمد زعل السلوم وهو اسمي الثلاثي، كاتب وشاعر وصحفي ومترجم، أقيم في تركيا منذ عام ٢٠١٧ كلاجئ سوري، وبالمفهوم التركي ضيف، تم تقييد هويتي رغم تحديث عنواني في النفوس التركية، وربما مهدد بالترحيل، حاولت في تركيا ان أبني جسور التواصل وان أصنع بصمتي الثقافية الحضارية الخاصة، وبالفعل نجحت في ان تكون جميع اعمالي التي طبعتها ضمن كتب المكتبة المركزية لجامعة اسطنبول فقد طبعت رسميا في هذا البلد ١٥ كتاب وصنعت عشرات الكتب غيرها. بين كتب توثيق واعمال شعرية ورواية وقصة قصيرة ودراسات نقدية وترجمات. حتى أعتبر فترتي التركية أغنى وأثرى فترات حياتي في الكتابة والترجمة والتأليف. فضلا عن نشري لمئات المقالات والترجمات والأبحاث سواء عبر صفحتي الشخصية هنا أو عبر المواقع الالكترونية والصحف والمجلات حول العالم بل وتمت ترجمة كتاباتي ومقالاتي لثماني لغات وكنت الصوت الانساني لوطني وللمكان الذي انتقلت للعيش فيه ولو بشكل مؤقت. وبالمناسبة نادرا ما أستفيد فلسا واحدا من كتاباتي.
أنا من محبي ثقافة السلام والانسان وأتمتع بالثقافة الكونية بعيدا عن الهويات القاتلة. واعتبرت اسطنبول أم المدن وعاصمة العالم ووصفتها اجمل الوصف في روايتي مشرد البوسفور واعتبرتها مدينة الأحلام والتعددية الثقافية والانفتاح وجسر التقارب بين البشرية جمعاء… وعشت لياليها ونهاراتها وزحامها وأنفاسها وقلبها وغضبها وهدوئها.
كما في وطني الأم سوريا كنت محبا للخير وداعما لثقافة السلام ومناهضا للظلم ومعنيا بكل انسان. وأن أؤدي الحقوق لأصحابها مهما كلفني الأمر. وان أساعد كل انسان في وطني وغيره، وان اعبر عن تضامني مع جميع الشعوب المظلومة والمنكوبة، فأنا بالأساس صانع حياة أي معلم ومن فرسان الحياة في هذا المجال.. ممن تنطبق عليهم ربما الآية العظيمة من احيا نفسا كمن احيا الناس جميعا… مر في حياتي الكثير من الطلبة والتلاميذ وحاولت قدر الإمكان ان أضع في نفوسهم غرسة جميلة ألا وهي ثقافة الحياة… لم أكن عدميا يوما بل ناشر سعادة وامل وأنا كذلك رغم كل القهر والأيام العصيبة الذي مررنا ونمر بها خاصة اننا سوريون.
لم اشعر يوما في هذا البلد العريق وأقصد تركيا وللأسف بلحظة استقرار وأمان، ولم أنعم بكلمة شكر رغم شكري الجزيل لاستقبالها لي. وحسب اصلي وفصلي لم اعتد يوما على انتظار كلمة شكر من أحد.
ربما عشت لحظات سعيدة انا اخترتها لكنها بالذات وبهذا البلد لم تكتمل… تعرضت للكثير من المواقف العنصرية سواء بكلمة او اساءة وبالمقابل تعرضت للحظات حب وتحنان.
وفي مجتمعي السوري بتركيا فحدث ولا حرج… للأسف وجدت الكثير من النخبة الثقافية السورية بين قوسين تنحدر للدرك الأسفل من إنسانية الإنسان… فمن الشخصنة للغلمنة للاستغلال للابتزاز للتكور للشللية للوصولية للاستنفاع لقاعدة حكلي تحكلك لقطع الأرزاق للفهمنة للجحشنة لأي شيء في أي شيء… فقررت تحييد نفسي عنهم والانعزال عن أجوائهم السامة والخبيثة والمريضة فالكثير منهم جائع والكثير منهم لديه نية وهدف وغاية غير سوية رغم الجيوب المليئة فيهم لكنهم بالأساس من أصول جائعة لا تشبع. ومحدثي نعم وزادهم الله مرضا في تركيا لتنكشف لنا الكثير من البثور والثغرات. انهم ببساطة اقرب للمجتمع الغابي القائم على الافتراس والبحث عن طرائد باسم الخدمة والوطن وغيره من الكلام اللامع. ومنهم من فتح مزرعة اعلامية او مؤسسة او منظمة ومن ليس معنا فهو ضدنا وبالتالي تهميش وإقصاء بقية أصناف الثقافة السورية وأما أفكاره التي يبثها حسب مزاج داعمه ليفتقد شخصيته الوطنية.
اختلطت في تركيا بعدة مجتمعات ومن الكثير من الجنسيات الغربية والشرقية وكانت علاقاتي ولازالت غنية ومشبعة باجواء الانسانية والتعاون والاحترام المتبادلين.. لم أشعر يوما بين المثقفين الأجانب أي فرق واختلاف. وكذلك بعض المثقفين السوريين والعرب بالإجمال.
لم يعد لدي ثقة بتركيا كدولة فيها قوانين، وأشعر بعدم الأمان فيها وعدم الاستقرار نتيجة مزاجية قراراتها وطريقة تعاملها الفاشل في معالجة مشاكل السوريين على أراضيها… بل وأشعر بسوء نية كبار موظفيها وأستشعر خطر ليس فقط الترحيل (لأن الترحيل بالمفهوم السوري يعني الحكم بالإعدام) بل ازدياد العنصرية فهي اكثر الدول التي لجأ لها سوريون وتعرضوا لمواقف عنصرية بلا نهاية وتنمر واعتداء ووصلت حالات للقتل ولايكاد أسبوع يمر إلا ونسمع عدة حالات من القتل والتحريض العنصري عبر وسائل التواصل.
أهكذا عامل الأنصار المهاجرين ؟
بالنسبة لي عندما دخلت هذا البلد كان هدفي الاستمرار لأوروبا حيث يمكن للانسان أن يكون انسان… ولم يخطر على بالي أن أستمر ليومي هذا ولحظتي تلك… التي اتحسر فيها على ثقتي ببلد يرفض حتى وجودي ويعتبر جنسيتي كلمة عار في مجتمعاته … وأن اتحمل بيئة معادية اخرى. وأنا الخارج من حالة مابعد الصدمة وأحتاج لأستنشق انفاسي على الأقل لا احبسها عندما أرى كل شرطي…
السوريون الذين وصلوا اوروبا وأنا أغبطهم حصلوا على جنسيات وحملوا جوازات سفر تلك البلدان ولهم حرية التنقل والحياة والعمل بين مختلف بلدان القارة الاوروبية والعالم فيما هناك سوريون لهم عشر سنوات في تركيا لم يحصلوا حتى على اوراق حماية مؤقتة او تم إبطالها كما حدث معي… وحتى السوري ممنوع من التنقل من ولاية لولاية بل عليه البقاء في قن الدجاج الذي بصم فيه.. هذه الانتهاكات الصارخة لحقوقنا كبشر تتم في بلد المهاجرين والانصار كما زعم بعض قادتها …
من حقي أن أصرخ وأعبر عن مأساتنا السورية المتجددة في هذا البلد العدمي المزاجي في تعامله مع السوريين وأنا حبيس كغيري من السوريين هذه البلاد ولا ارغب بالعودة لبلدي سوريا لسبب بسيط وفاقع الوضوح وهو تهديد حياتي … السوري اليوم يعيش بين حبس تركيا ومقصلة سوريا.

*من صفحة الشاعر.. الكاتب والمترجم السوري محمد زعل السلوم في فيسبوك

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s