الجيران.. قصة قصيرة بقلم حكم عبد الهادي

الجيران
قصة قصيرة بقلم حكم عبد الهادي


(كتبتها بالألمانية في الرابع من يونيو 1995)


عندما كنت صغيرا، كانت والدتي، رحمها الله، ترسلني إلى جارتها المفضلة، محملا بأرغفة طازجة لأستبدلها بأرغفة “بايته”، لأن الوالد كان لا يستطعم بالوجبات الساخنة إلا بخبز الأمس. لم يقتصر الأمر على الخبز فقد كنا نستعير من الجيران الطحين، زيت الزيتون، البيض والملح أو غيرها من الحاجيات التي نسينا أو لم نستطع أن نشتريها.
كنا نعيش بعد الهجرة في عام ١٩٤٨ اوقات صعبة – ليس فقط لعائلتنا. الكل كان يعاني من قلة الفلوس ومن البطالة. في ظل هذه الأوضاع القاسية كان الناس، يا للغرابة، لا يبخلون على الغير بالقليل المتوفر لديهم. فهمت فيما بعد أن جيراننا الفقراء ليسوا مثاليين ويضحون بقليلهم. التضامن كان ناجما عن الضرورة، لأنهم كانوا يعلمون ان الدور سيأتيهم في الأيام القريبة القادمة. لكل زمن أخلاقه. في ذلك الزمن كان جيدا أن يكون المرء جيدا.
لم يكن لديهم من الأرزاق والمأكولات ما يستحق الذكر، او أحيانا لا شيء أبدا، ولكنهم كانوا يتجالسون في المساء ويتحدثون عن أيام العز، التي ستأتي لا محالة عندما يكبر الأولاد وعندما نعود الى قرانا.
كان يغني من يحسن الغناء والجيران كانوا يهزون أكتافهم طربا. كان خفيف الظل فيهم يروي النكتة تلو النكتة وكان الجياع يضحكون حتى يشبعوا من الضحك. لم يكن التلفاز في تلك الأيام اقتحم غرف الاستقبال، ولذا كان الجيران يكتفون بمشاهدة البرامج الحية التي يقدمونها لبعضهم.
أرجو ألا تُفهم هذه الذكريات أن أهالي حيٌنا كانوا سعداء، فالأم التي لا تستطيع شراء الأدوية لطفلها المريض لن تكون سعيدة ولن تبتسم لنكات خفيف الظل. وعلى أي حال لم تكن تًترك وحيدة مع معاناتها وما أحن وأكثر مواساة الجارات. كانوا يرددون في كثير من الأحيان كلمات لم أكن أفهم معناها: الموت مع الجماعة رحمة. الموت كان أيضا جارنا.
كانت أم حسين، أحب جاراتنا إلى قلب أمي، في قمة السعادة في صيف عام 1950، لأن ابنها الذي بلغ في الأسابيع الأخيرة السابعة عشر قرر أن “ينشل” عائلته من قعر البئر، كما يقال.
حسين، هذا الشاب الطيب، الذي زادت شمس أيام الصيف وجهه سمرة، علم من أحد أصدقائه أن النجاة ستأتي من الصحراء… من الكويت، حيث يخزنون الذهب كالقش. لا يحتاج الواحد سوى همة العمل العالية وأكياس كبيرة لتكديس الذهب.
لم يكن يعلم بعد أن كويت لم تكن تمنح الفيز إلا للمهندسين والأطباء وغيرهم من الخريجين والحرفيين. كل ذلك لم يكن يتوفر لحسين الذي قطع دراسته في مدرسة البلدة من أجل مشروع إنقاذ العائلة. بعد تبادل وجهات النظر مع أولاد الحارة توصلوا إلى أن لكل مشكلة حل: الحل أن يقطع الصحراء برفقة أحد المهربين.
أجمع الجيران على أن هذه المهمة بمنتهى السهولة على ساقي شاب في مجد عنفوانه. أم حسين باعت من متاعها لتوفر له تكاليف السفر.
عانقناه وقلنا له بحماس: ستعود بعد سنتين ثلاثة مليونيرا ولن تتنازل عندها أن تجلس مع أولاد الحارة على نفس الطاولة. رفض تماما مثل هذا التصرف الرخيص واستقل الحافلة إلى عمان ومنها إلى بغداد وأخيرا إلى البصرة حيث كان المهرب ينتظر أمثاله من البؤساء.
لم نر وجه حسين قط بعد أن ودعناه أمام الحافلة. أمه كانت تنتظر رسالة أو أي إشارة حياة. ما زلت بعد أربعين عاما أرى وجهها بكل ما فيه من حسرة وخوف، ولكنها لم تفقد الأمل بسهولة. كانت أمية وبسيطة للغاية. ولكنها في الوقت نفسه كانت رغم نحفها الشديد عنيدة وقوية، فلم تترك بابا لدائرة، محامي أو أي جهة إلا وطرقته، وكانت تردد دوما جملة اشتهرت بها:
” لا أريد ذهبهم أعيدوا لي ولدي! ” ولكن لم يكن لحسين أي أثر.
بدأت أمه تفقد عقلها السليم، وعندما فشل الأقوياء والأذكياء أن يعيدوا لها ابنها الحبيب، أخذت تتردد على السحرة وقارئي الفنجان الذين أكدوا لها أكثر من مرة أنهم رأوا في الرمل أو مسابح الصلاة أو في الكتب القديمة ما يبشر بالخير. بعد هذه الزيارات كانت تشع أملا وحيوية.
مرت الأشهر دون رد فعل يستحق الذكر على جهودها. لم يبق لها سوى الله. ظلت تصلي إلى أن أصاب الورم جبهتها والوهن جسدها الذي ازداد نحلا. كانت تدحرج بقايا جسدها المنهك فوق الحصير وتصيح:
” يا إلهي، يا إلهي، انت أملي الوحيد، لا تتخل عني!”
لم يساعدها الرب. الجيران كانوا يجلسون حولها ويبكون معها.
عرفوا آنذاك حدود مواساة الأحباء.

——————————————————

هذه القصة تستند على حقائق عاشها كاتب هذه الكلمات في بلده في فلسطين. الأم، أم حسين، انتقلت إلى العالم الآخر بعد سنتين من اختفاء ابنها.

*من صفحة الكاتب والإعلامي الفلسطيني حكم عبد الهادي في فيسبوك

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s