يضربون زوجاتهم ويحمّلون الله المسؤولية ثم يعتذرون قبل ممارسة الجنس

يضربون زوجاتهم ويحمّلون الله المسؤولية ثم يعتذرون قبل ممارسة الجنس



(وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً).

ويرى بعض العقلاء من المفسرين أن الضرب يعني (الابتعاد) وذلك من قبيل (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ)، وإن كان المعنى كذلك، فهذه الآية من سورة النساء تحدد طرق التعامل مع المرأة عند نشوزها، وبالتالي يمكن الاستنتاج منها بأن ضرب المرأة غير وارد بالمطلق، وهذه المقدمة لمن أراد النقاش من وجهة نظر إسلامية، ورغم أن معظم مناصري حقوق المرأة يعتقدون أن انتشار عادة ضرب الزوجة سببها وجود هذه الآية في النص القرآني، إلا أن الحقيقة بعيدة كل البعد عن ذلك، فكثيرون ممن يضربون زوجاتهم لا علاقة لهم من قريب أو من بعيد بالنص القرآني، والأمر ليس سوى عادة أباحها المجتمع للرجل بل هي مبعث فخر لدى الكثيرين (اللي ما بيضرب مرته مو رجال).

موضوعنا يتحدث عن أسوأ عادة عرفها المجتمع في مختلف أرياف حلب، وهي ضرب المرأة، وهنا لا يقتصر الحديث عن ضرب الزوجة من قبل زوجها فحسب، بل عن تعرض الأخت للضرب من قبل أخيها أيضا، وربما ضربت الأم في حالات كانت أكثر شذوذاً وانحرافاً عن الطبيعية الإنسانية.

يشاهد الطفل غالباً والده عندما يضرب والدته لمرات متكررة، ومع الزمن تلتصق بذاكرته هذه المشاهد، ويدرك عقله مرة بعد مرة أن لا نتائج سلبية يتعرض لها والده جراء ذلك، بل على العكس عادة ما تتحقق رغباته وتسير الحياة للأمام دون عوائق، ويعرف هذا الطفل مع تقدمه في العمر أن والدته لم تتخذ أية مواقف حيال ذلك، بل استمرت بالعيش مع والده، وكانت (تنسى) ما تعرضت له في كل مرة خلال ساعات لتمارس حياتها الطبيعية، هنا يعتقد هذا الطفل الشاب الذي كبر وأوشك على الزواج أن ضرب الزوجة هو الطريقة المثلى لضمان طاعتها وتحديد سلوكها وفق ما يشتهي وما يرغب، وهكذا تنتقل الظاهرة جيلاً بعد جيل.

داخل الأسر الكبيرة تحدث أمور غريبة، فزوجة الابن (الكنّة) الوافدة حديثاً إلى (بيت العيلة) هي الحلقة الأضعف، إذ يحاول كل من في البيت (ترويضها) لتكون فرساً مطيعة له، فوالد الزوج عليه أن يريها (العين الحمرا) من اليوم الأول لتفهم أن لهذا البيت قوانين لا يمكن تجاوزها، بينما والدة زوجها (حماتها) تحاول فرض السيطرة إذ تشعر بخطورة دخول امرأة جديدة إلى بيتها، ومدى تأثيرها على نظامه وأفراده إن لم تواجه منذ البداية، أما أخوات الزوج (بنات حماها) يدرسن الأمر بجدية فوق العادة، وبتفكير عملي شامل لمختلف الجوانب، إذ لا بد أن يكون لها حصتها في الأعمال المنزلية، ومن المهم عدم السكوت على أي تقصير من قبل زوجة أخيهم، فالسكوت يؤدي إلى التمادي. يتأهب الجميع وكل منهم يكون جاهزاً للضغط على الزناد، بينما أمها والتي تدرك تلك المخاطر تنصحها بالاندماج مع قوانين أسرة زوجها إن كانت امرأة مسالمة لا ترغب بالمواجهة، وأحيانا تعلّم تلك الأم ابنتها طرق الدفاع التقليدية معتقدة أنها تقدم لها خبراتها فتكون بذلك قد نزعت فتيل القنبلة.

في أسرة كما الأسرة التي ذكرتها، من الممكن أن يضرب والد الزوج (كنّته) في أية لحظة جراء ارتكابها أي خطأ مهما كان صغيراً، بينما أخوات الزوج (بنات حماها) وفي رواية نسائية أخرى (نكاشات الببور) تبدأن بالاحتجاح لدى أمهن على كل شاردة وواردة (ست الحسن نايمة لهلاء)، (نحن مو خدامات عندها)، وووو .. الخ، لتبدأ أم الزوج بانتقادها وتوبيخها في كل مناسبة، واذا ما أجابت (الكنّة) (حماتها) يوماً بطريقة غير مهذبة فمن الممكن أن تضربها، أو تشتكيها لابنها (الزوج) والذي لا حل أمامه سوى أن يضربها حرصاً منه على إعادة الاعتبار لأمه، واذا لم يفعل فلن يكون بانتظاره سوى غضبها وبئس المصير!

يفاخر الكثيرون من شبان ريفنا الحلبي بضرب زوجاتهم، لدرجة أن هنالك مقولة متداولة (اللي ما بيضرب مرته مو رجّال)، ورغم انحسار الظاهرة نسبياً بعد نهاية الألفية الثانية، إلا أنها كانت ومازالت موجودة، هذه المفاخرة تتطلب مثالاً حوارياً حدث بوجودي ما يشبهه مرات عديدة:

في السهرة وقبل بداية اللعب بأوراق اللعب أو الطاولة أو أو..:

-ليش مزعوج أبو فلان مبين في شي

-والله مافي شي بس علقانين أنا والمرا

-خير ليش إشّو صاير؟

-مافي شي والله!! قتلتا (ضربتها) قتلة عفستا تعفيس (ممكن أن يكون كذاب ضربها كف مثلا ولم .. يعفسها تعفيس).

-هاهاهاها اي بسيطة هلاء بآخر السهرة بتروح بتراضيها، بس ما قلتلي ليش؟

-قلتلا ما تروح لعند أمها جيت من الشغل قالتلي انو راحت، يا رجل امها نجسة

-اذا هيك معك حق النسوان ما بيفهموا غير هيك.. يالله بسيطة شراب شاي ولووووو لا تضل مزعوج 

طبعاً أبو فلان يذهب إلى البيت في نهاية السهرة ويريد حفلة جنس قبل أن ينام، بالفعل (يراضيها) ليمارس معها الجنس ولتمتعه بالقدر الذي يرغب به، هنا لا بد أن أوضح نقطة هامة، فهذه (المسكينة) تظن حينها أنه ندم لأنه ضربها وها هو بالفعل يدللها اذن هو عرف أنه كان مخطئاً، لكنها لا تدرك أن كل الكلام سيتغير عند طلوع الصباح، ومع التكرار تفهم الزوجة هذا الأمر لكن بعد أن يفوت الأوان، ففي كل عام طفل ما شاء الله، وليس من المعقول ان تتمرد (وتخرب بيتها بإيدها) لذلك تقرر أن تصبر كرمى لأولادها.

أما عقدة الأخ الأكبر (العصبي) فهي عقدة تعرفها معظم الأسر، إذ أن رجولة هذا الأخ لا تتبدّى إلا على أخواته اللواتي ينظر إليهن كخادمات واجبهن تأدية كل متطلباته إلى أن يتزوج، عادة ما يضربهن عند كل تقصير في خدمته، عدا عن مخالفتهن بعض القوانين، فهذه لون حجابها لم يعجبه، والأخرى ذهبت إلى الجيران دون أن تبلغه، وأمثلة كثيرة أخرى، وحدثتكم في قصة أخرى عن الأخ الجيد (الحبّاب) الذي تحبه جميع أخواته لأنه لا يضربهن كثيراً.

أما ما قد يظنه البعض مبالغة، فإن المرأة في ريفنا قد تتعرض للضرب من قبل (ابن حماها) أخ زوجها، لاسيما إذا كان الأخ الأكبر لزوجها، و (اذا كان جوزك ما عبيعرف يربيكي أنا بربيكي)، ولسان حال المجتمع يقول (اي واذا ضربها ابن حماها بمون هاد متل اخوها).

*محمد إقبال بلّو – من كتاب الاستعباد الخفي للمرأة السورية.. ريف حلب نموذجا. الصادر عن موقع زي بوست الاجتماعي الأدبي في عام 2022

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s