عقد زواج شرعي في يوم الخطوبة من أجل الحلال والحرام

عقد زواج شرعي في يوم الخطوبة من أجل الحلال والحرام

من المعروف أن ما يسمى (فترة الخطوبة) في مجتمعاتنا، مجرد مدة تطول أو تقصر ليتم التعارف الجيد بين الشاب والفتاة أو حتى بين العائلتين، خلال هذه الفترة يتم الاتفاق على أمور كثيرة تتعلق بتفاصيل الزواج، هذا في حال وجد الطرفان أنهما مناسبان لبعضهما وقادران على المضي باتجاه الزواج وتأسيس أسرة جديدة.

ورغم أن الجميع تقريباً متفق على هذا التوصيف ومنهم أهالي أرياف الشمال السوري، إلا أن الأمر في قرانا وبلداتنا مختلف تماماً، ومختلف هذه لا تعني اختلافات شكلية ليست ذات تأثير، بل الأمر بكليته أجده قصة عجيبة.

فبعد إعجاب أسرة الشاب بالفتاة (التي تسمى عروساً مباشرة حتى ولو كان الزواج سيتم بعد عامين) وموافقة أسرة الفتاة على خطبتها من الشاب، يتم الاتفاق على يوم محدد لإقامة حفل الخطوبة، والذي عادة ما ينقسم إلى حفلين أحدهما نسائي والآخر رجالي، ويتم خلال الحفل إشهار خطبة فلان وفلانة وهذا أمر لا بد منه ويعتبر أساسياً وإيجابياً، وتقدم بعض الحلويات للضيوف الحاضرين، غالباً ما يحضر أحد مشايخ البلدة ليبارك هذه الخطبة، ويقدم بعض الوعظ لمن يتعظ، مستفيضاً بالشرح عن أهمية الزواج وتقاليد الخطبة، مسترسلاً بالحديث وصولاً لعبارة (كتب الكتيب) هكذا تلفظ تماماً وهي تعني إبرام عقد الزواج مباشرة وفي نفس يوم الخطبة، أما لماذا؟ فبالتأكيد من أجل الحلال والحرام!

قد تعتقد عزيزي القارئ أن وجهة نظر الشيخ في محلها، فلا بد للخطيبين من الخروج معاً والاستمتاع بالسفر والرحلات ولا بد من قبلة طائشة من هنا ولمسة إثارة من هناك، عزيزي القارئ ستوب ستوب وين رايح؟

من أجل الحلال والحرام تعني، أن الخطيب عندما سيزور خطيبته كل يوم خميس مساء حصراً، وسيجلب معه هدية ولو صغيرة، ربما ربما ربما تجلس معه خطيبته في نفس الغرفة على كرسي أو (اسفنجة) مقابل لكرسيه عند الجدار المقابل له، لمدة ربع ساعة مثلاً، بينما الحراس (الأب والاخوة) منتشرون على الضفتين يميناً ويساراً يراقبون الوضع، وويل لها لو ابتسمت ابتسامة دلال أو تحدثت بدلع ورقة، أما الخطيب فلو تمادى بالحديث مع خطيبته سيلقى نظرات الاحتقار والانزعاج من الجميع، وتمادى هنا تعني أنه تحدث جملاً كثيرة وأطال ولا تعني أكثر من ذلك، هذا هو الحلال والحرام الذي يحكي عنه الشيخ ويطالب بعقد زواج شرعي للخاطب وخطيبته، وغالباً ما يتم عقد الزواج بموافقة الأهل وقناعتهم، وأحياناً يوافقون محرجين، فماذا سيقول عنهم أهل البلدة إن رفضوا؟ ألا يهمهم الحلال والحرام؟ أين الغيرة والحميّة؟ أين الشّرف؟ في حالات كثيرة ولأسباب غالباً ما تتعلق بخلافات حول تكاليف الزواج المادية، أو طلبات أسرة (العروس)، التي لم ترد عند الاتفاق على التفاصيل، أو لعدم التزام (العريس) وأهله بما اتفق عليه، وأحياناً لأسباب تتعلق بنزاعات بين العائلتين كانت قد نشأت حديثاً، أو لأسباب متنوعة أخرى، يتم فك الخطوبة، أي إلغاؤها وإيقاف مشروع الزواج، وهنا تحل الكارثة بالنسبة للفتاة.

لماذا أطلقت على هذه الحالة (كارثة)؟ لأن الشيخ التقي النقي الصالح الورع الطاهر العفيف، أصر على عقد الزواج، فالفتاة متزوجة (شرعاً) رغم عدم زواجها، وما الحل في هذه الحالة سوى بالطلاق (الشرعي) أيضاً والذي يتطلب شهوداً كما (كتب الكتيب)، أحيانا يتم الأمر بسهولة وتتم إعادة الهدايا والذهب من قبل أسرة الفتاة لأسرة الشاب، بينما تحدث الخلافات في كثير من الأحيان لاسيما عندما تكون أسباب فك الخطبة تتعلق بنزاع بين العائلتين، فأحيانا ترفض أسرة الفتاة إعادة الذهب لكونه حقاً لابنتهم التي ارتبطت بعقد زواج، بل يمكن أن يطالبوا بمهر أيضا، بينما يكون رد (العريس) وأسرته على هذه النقطة (اي ما بجّوزها وما بطلقها تركوها عندكم ومسجلة على اسمي، أنا بتزوج غيرها وهي بتضل عندكم، كبسوها مخلل).

تصبح هذه المسكينة أداة الصراع بين العائلتين، والذي قد يطول أحيانا لسنوات قبل أن يجد المتصارعون حلاً أو يتنازل أحد الأطراف عن موقفه، خلال هذه المدة التي قد تطول أو تقصر، تكون (العروس) بمثابة (قهوة الصبحية وصحن البزر بالسهرة) لكل من عرف بالقصة، وخاصة النساء اللواتي يمزجن التعاطف بالشماتة بالمحبة بالكره بالحكمة والرأي السديد بالتسلية، ويكون غالباً دور النساء اللواتي كن أو سيكن ضحايا هذا المجتمع سلبياً جداً بشكل يفوق دور الرجال، كون النقاش العلني والتسلية والأخذ والرد في قضايا كهذه من قبل الرجال قد يشعل نزاعات عائلية من المحتمل أن تؤدي لوقوع قتلى.

بعد أن يجد الخلاف بين أسرتي (العروس والعريس) طريقه إلى الحل، تعود الفتاة لوضعية (غير متزوجة) لكنها اجتماعياً لا تعود لوضعية (عازبة) فقد تزوجت وطلقت بورقة الشيخ، وتنتظر وعائلتها العريس القادم الذي غالباً ما يتأخر كثيراً في الوصول، فهو الشاب (اللي ما باس تمه غير أمه) لا يقبل أن يخطب فتاة كان (مكتوب كتابها على فلان، هيي كانت حلاله، يعني يعلم الله إش صار بيناتهم) اسمحوا لي أن أسمي هذه الحالة (وضعية الجحش)، لماذا؟ لأن هذا الكائن الذي يتفوه بهذه الكلمات يدرك تماماً ماذا يعني هذا العقد ويعرف انه أصلاً عقد على يد الشيخ قدس سرّه من أجل الحلال والحرام، كما أنه يعرف نوعية الحراسة التي تفرض على البنت المخطوبة، أي انه يعلم تماماً أن بين الفتاة وخطيبها السابق لم يحدث أي شيء مما يدعيه، لكنه يتحدث بهذا المنطق لأنه (نذل) بل في أحسن الأحوال لأنه مضبوط على وضعية (جحش).

نعود للفتاة الضحية، ولن أتحدث كثيراً عن مصيرها فأنتم أدرى بذلك، بل كلكم يعلم أنها غالباً لا تتزوج إلى في عمر متقدم (بالنسبة لأرياف ريف حلب 30 عام يعني عانس) وغالباً ما تتزوج رجلاً يكبرها بعدد ذي خانتين من السنوات، أو مطلقاً لديه أطفال يسعى لمن تخدمهم، أو أو أو

*محمد إقبال بلّو – من كتاب الاستعباد الخفي للمرأة السورية.. ريف حلب نموذجا. الصادر عن موقع زي بوست الاجتماعي الأدبي في عام 2022

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s