محمد زادة: صدّقيني هذه هي حياتي

صدّقيني هذه هي حياتي


بعد عامين سأحتفل بذهبية المنافي ، ثلاثون عاماً من الرطوبة العالية والدوران حول المعنى / مغترب / لكنني في الحقيقة / هارب / وشتّان ما بينهما .
أن تشعر أحياناً بأنك مراقب و مراتٍ تفعلها وتلتفت للوراء فأنت هارب ولست مغترب ، هارب وفي عقلك الباطن تستيقظ فكرة قديمة بأنهم يبحثون عنك .
حياة الانسان أشبه بشمعة تُشعلها أمّه بفرح فتتوهج الشمعة وهي تمضي إلى نهايتها وقبل الإنطفاء تُصدر صوتاً خفيفاً وتموت ، لكن حياة الهارب هي كرة نارٍ اشتعلت يوم وطأت قدمه هذه البلاد .
صدّقيني أنا كرة مشتعلة وهذا أمر طبيعي فهذه البلاد منجمٌ كبيرٌ بأنفاقٍ طويلة والألماس الذي نستخرجه ليس لنا ولا الأحجار الكريمة لنا ولا شيء لنا سوى أن نحافظ على هدوئنا كي لا ندفع الثمن ، لكنه يبقى أرحم من أفران الوطن .
شيءٌ ما حدث دون أن ننتبه له وتغيّرت الحياة ، نحن لا نتغيّر نحن الصامدون الثابتون على عزلتنا لم نتغيّر لكننا بدأنا نفهم أن حياتنا الآن هي حياة طبيعية جداً.
صدّقيني أنني منذ زمن لا أعرف الأيام دون النظر في هاتفي ، هي الأيام ذاتها التي كنت أتقنها يوماً في حلب وعفرين وكنت من نظرة الصباح في وجه أمي أعرف أن اليوم هو الأثنين ، المشكلة ليست هنا وفي آخر تحديث قبل ساعتين سألني صاحب شركة السيارات وهو يسجل الطلب عن اليوم والتاريخ فقلت الثلاثاء بينما اليوم هو الأثنين وقلت ستة عشر بينما اليوم هو الثامنة عشر ، صدقيني بأنني الآن انسان طبيعي أكثر من أي وقت ولم تعد الحياة تقلقني لأنها لم تعد تعني لي الكثير كما في البدايات ، أصبحتُ حرّاً أكثر من ذي قبل فلم يعد الحب يخيفني ولا الهجران لم تعد الخيبة تغيّر لون وجهي وبصراحة أكثر لم أبكي منذ أن رأيتُ نفسي في المرايا كرةٌ مشتعلة تتدحرج وتضحك ورأيتُ الكرات تلحق بي إنّها طبيعة النار والبشر الذين لا تكفيهم نارهم فيدخلون قلبك .
حياتي الآن طبيعية أكثر مما ينبغي ، لا أردُّ على رسائل الأصدقاء أو أردُّ متأخراً بعد أيام ، لا علاقة لمكانتهم بهذا التصرف ولكن هي الحياة الطبيعية تصبح هكذا يوماً ما دون أن تفكّر في إصلاحها فالكارثة تكمن في إصلاح ما هو طبيعي .
صدقيني بأنني مثل البشر أشتاق لكنني هاربٌ على الدوام وكأنني أعبر حدوداً غير شرعية في غفلة الحراس فتسقط أشيائي مني وأتركها خوفاً من لفت إنتباههم وأستمر في المضي ولا شيء يخيفني سوى أن يتألم أحدٌ لأجلي ، أنا الذي لم تعنيه حياته سوى أنها رصيده المتبقي .
الزمن وحدة ثابتة لا تتغير فالساعة هي ساعة منذ آلاف السنين لكن الشعور بها يتغيّر فأحياناً تكون الساعة يوماً كاملاً وأحياناً تكون نسمة لا نراها وأحياناً تكون أياماً كالساعات التي نقضيها في انتظار أحد .
صدقيني بأنني طبيعي حين لا أقول أحبك ومشتاق وصوتك يسحرني ، لقد تجاوزت كل هذا قبل سنوات وأصبحتُ حقيقياً أكثر وشفّافاً أكثر وإذا لم تتمكني من قراءة ولعي وشغفي في عينيّ فأركليني وأبحثي عن كرة أقلُّ إشتعالاً ، قد تكون المشكلة في سرعة الاشتعال فقط .
لا تسألي الهارب شيئاً دعيه وسيصدر صوتاً يوماً ما كما الشمعة ولا تحاولي إيقاف كرة النار فالفيزياء أقوى منّا جميعاً حاولي الثبات فقط وأنت تتدحرجين .
صدقيني بأنني طبيعي لكنني أصبحت حرّاً أكثر ، كنتُ في السابق ألماسة أمي وكبرت لأصير ألماسة أطفالي لكنني في هذا المنجم فقدتُ رونقي وبريقي وثمني والشيء الوحيد الذي لم أفقده هو صلابتي وقسوتي على نفسي ، إنها قسوة الالماس أقوى من الفيزياء ، صدقيني بأنني سعيد بهذا العالم وبكِ لكنني الهارب الأبدي ، كل صباحٍ أخرج من نفسي ولا أعود قبل المساء ، أنا رجلٌ لا ينام ليستكمل الطبيعة البشرية ، أنا أنام كل ليلة من التعب .
………
اليوم / الثلاثاء

*من صفحة الشاعر محمد زادة في فيسبوك

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s