لقمان ديركي: لي صديق من كردستان

لقمان ديركي: لي صديق من كردستان

في صيف 1987 أقامت وزارة الثقافة حفلاً فنياً لسميح شقير Samih Choukaer وفرقته على مسرح قلعة حلب ضمن فعاليات مهرجان ما، لكن لم تكن الدعوة تتضمن مكان إقامة للفرقة أو لسميح، كانت مجرد سماح لهذا الفنان بأن يغني على هذا المسرح كتر الله خير هالوزارة، المهم مالكم بالطويلة، الجمهور كان كبيراً، كانوا متعطشين لسماع فنانهم المفضل الذي لا يظهر على شاشة التلفزيون العربي السوري عادة، فقد كانت الشاشة الصغيرة مخصصة لعصمت رشيد وسمير سمرة وأحمد عبد الكافي وسهام ابراهيم وعيسى مسوح ومسبحته..إلخ، .كان الجمهور مزيجاً من يساريين وأكراد وفلسطينيين، احتشدوا جلوساً ووقوفاً على مدرج مسرح القلعة، تقاسمنا إقامة سميح والفرقة، شباب الفرقة أقاموا في مخيم النيرب عند الأصدقاء الفلسطينيين وقسم آخر في الشيخ طه عند أهل حسين برو، بينما سميح ووالديه وشقيقته المغنّية سهير أقاموا في بيتنا بحلب، وانطلقنا إلى القلعة، وبدأت الحفلة، الجمهور يثور ويفور مع الأغاني، ويطلبون بصوت عالٍ الأغاني التي تخاطب همومهم، عن السجن والمعتقلين، هيي يا سجاني، يصرخون مطالبين بها، بينما يرمقهم رجال المخابرات بغضب، لكن الأكثر غضباً في الحفلة كان مدير المركز الثقافي بحلب، كان أمنياً أكثر من الأمن، فهو من النوع اللي ما بده توصاية، وقد حضر الحفلة للسيطرة على الوضع الذي قد ينفلت، فكل الجمهور من المعارضين للنظام بشكل أو بآخر، الجمهور يطلب الأغاني ومدير المركز يمتعض، الجمهور يرقص متحمساً والمدير ممتعض، الجمهور يهتف مع المغني والمدير الثقافي يزداد امتعاضاً، تحت شعار أربعون عاماً نزداد امتعاضاً كان حضوره، وبدأ الشباب والبنات الكُرد بإرسال الأوراق التي تطلب كلها أغنية ( لي صديق من كردستان اسمه شفان )، وهي أغنية كتبها سميح بالإشتراك مع الشاعر حسان عزت عن الفنان الكردي شفان وعن النيروز والشعب الكردي التواق للحرية، وكان سميح يقرأ الورقة ويضعها على الطاولة بجانبه. لاحظتُ أن هناك خللاً ما في الصوت فصعدتُ إلى المسرح وهمست لسميح في أذنه عن الخلل ونزلت وسط نظرات رجال المخابرات الغاضبة، وكأن الحفل كان قد أقيم خصيصاً لاستفزاز المخابرات ومدير المركز أكثر من كونه حفلًاً فنياً ترعاه مديرية الثقافة بزعامة مديرها الممتعض، وفجأة غنى سميح الأغنية المطلوبة، لي صديق من كردستان اسمه شفان، وقامت الدنيا ولم تقعد، على المدرج من جهة، الكل يغنيها، عرباً وكرداً، وحول المدرج من جهة أخرى وقد بدأ رجال الأمن بتحسس مسدساتهم، غنِّ يا شفان غنِّ للذي سوف يجيء، يهدر الجمهور مع سميح، بينما يرسل مدير المركز واحداً من زبانيته ليهمس في أذن سميح أن يصمت، كذلك كانت رسالة المدير الثقافي، لكن سميح تابع الغناء، فنهض المدير بطقمه وربطة عنقه وصعد إلى المسرح وسحب المايكريفون من أمام سميح، واشتعل المدرج بالغناء، تابع الجمهور الأغنية، بدأ رجال الأمن بإصدار الأوامر بالصمت، لكن لا حياة لمن تنادي، وفي عز الهرج والمرج ناداني صديقي السرياني وديع عمسيح وهو من ديريك، وطلب مني باللغة الكردية كي لا يفهم من هم حولنا ما يقول أن أهرب فوراً إلى بيته في حي السليمانية لأنه سمع رجل أمن يقول لزميله بأنني أنا من طلب منه أن يغنّي هذه الأغنية عندما همستُ في أذنه على المسرح، وتحت شعار اللي بيحب النبي يخلي عَطيتها، ركضت وبجانبي جانو ابن أخت وديع نازلين وسط عتمة القلعة على أدراجها التاريخية العتيدة، ومررنا بحبس الدم بطريقنا، قال جانو مشيراً إلى الزنزانة الشهيرة: والله ليحطوك بحبس الدم إذا كمشوك، ووصلنا إلى حي السليمانية وجلسنا في البيت مرعوبين، بعد ساعتين جاء وديع وأعطانا التقرير، بعض أعضاء الفرقة صعدوا في سيارة تكسي مع حميد برو وذهبوا الى بيت أهله في الشيخ طه، لكن الجمهور ظنوا التكسي للمخابرات فكسروا زجاجها، ودفع الشباب للسائق 2000 ليرة عطل وضرر، سميح صعد مع أهله في سيارتكم وصاروا في بيتكم بسيف الدولة، اتصلنا من عند أقرب بقال بالبيت، ردت أمي: تفووو عليك..تركت سميح لحاله وهربت، ناولت السماعة لوديع كي يشرح لها الوضع فرضيَت عني، وطلبت مني أن أعود فلا خطر الآن، عدنا، كان شباب الفرقة قد سافروا صباحاً، بينما بقي سميح وأهله عندنا لعدة أيام، وكان الزوار يأتون بالعشرات يومياً ليسلموا عليه، زواره اليساريون والملتزمون ومعظمهم يكرهونني كوني غير ملتزم، فكان الزائر منهم يكسر على أنفه بصلة وهو يصافحني مُجبَراً كوني من أصحاب البيت، فيما كنتُ أتعمد هيئة الوقار والإلتزام والإيديولوجيا أثناء المصافحة، بل والنضال أيضاً، أو لم أكن من أشد المطلوبين البارحة لمدة ساعة ؟!!! حق .

أربيل. كردستان العراق. 2013

*مختارات

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s