وائل عصام: فيلم “خيمة 56”: التابو منذ قصة “الغرفة 56” والريبة من نوايا الموالاة للأسد

فيلم “خيمة 56”: التابو منذ قصة “الغرفة 56” والريبة من نوايا الموالاة للأسد

أثار فيلم “خيمة 56” جدلا عارما في مجتمع المعارضة السورية، وربما كان السبب الأبرز لذلك هو حساسية المواضيع المطروحة حول النساء، التي تشكل تابوهات محرمة في مجتمعاتنا العربية عموما، يتحكم بها هاجس العار والشنار، ورغم أن الجميع يعرف ويدرك حقيقة وجود هذه المشاكل المجتمعية لدينا، كحال كل البشر، إلا أن الأغلبية يتعاملون معها بعقلية الانكار والتوهم، كالنعامة التي تضع رأسها في الرمال، فلا هي تمكنت من نفي وجود ما يخيفها، ولا هي قدرت على حماية نفسها.
وقد يكون جزء كبير من هذه الحملة بسبب انتماء كاتبة السيناريو سندس برهوم، المصنفة ضمن معسكر “الموالاة” الفني، ولكن سأعرض هنا شهادة مهمة تفسر ربما الفكرة التي استلهمت منها الكاتبة سندس سيناريو فيلمها، الشهادة هي من رنا النبكي وهي اخصائية اجتماعية معارضة للنظام، عملت في الرعاية النفسية للنازحين في المخيمات السورية، وكانت زميلة للكاتبة سندس في بدايات نشاطها الاجتماعي في دار الإيواء بدمشق للنازحين، في السنوات الأولى للثورة السورية، وقد تمنحنا شهادة رنا صورة وافية عن البيئة التي استلهمت منها سندس برهوم قصتها، وعن ظواهر ومشاكل أكثر أهمية وخطورة تحدث في المخيمات، وثّقتها رنا خلال عملها لسنوات في دور الإيواء والمخيمات ولقاءاتها بمئات النسوة.
تقول رنا النبكي، “كانت سندس برهوم شريكة معنا بتأسيس جمعية لرعاية النازحين في دمشق، وهي مهتمة بالمجال النفسي والاجتماعي وخريجة علم اجتماع، وقد تكون سندس قد استلهمت فكرة “خيمة اللقاءات الجنسية للأزواج” في فيلم “خيمة 56″، من واقع دور الإيواء للنازحين بدمشق التي امتلأت بالنازحين عقب السنوات الأولى للثورة، التي كانت تزورها سندس كإخصائية اجتماعية وناشطة مؤسسة في جمعيات رعاية النازحين، ومن وقتها تكشفت ميولنا ما بين مؤيد ومعارض للنظام، وكانت سندس عموما أقل حدة في انتقاد النظام”. وتشرح رنا النبكي بتفصيل أكثر عن قصة “الغرفة 56″، إن صح التعبير في دار الإيواء بدمشق: “فكرة الخيمة 56 حدثت أولا بدار الإيواء بدمشق بدايات الثورة، طلب الأهالي أن تكون هناك غرفة خاصة للقاء بين المتزوجين، لأن وقتها كان كتير صعب أن يلتقوا ببعض أو يختلوا ببعض، بسبب كثافة الناس، كانت كل غرفة مقسمة لنصفين وكل غرفة ينحط فيها الحماة (والدة الزوج ) والأم والأولاد متل ما شفنا بمخيمات الشمال لاحقا، الأهالي كانوا واضحين وصريحين بأنهم يريدون غرفة لتخصيصها للقاءات الحميمة بين الأزواج، والمفارقة أن إدارة دار الإيواء هي من اعترضت على الفكرة ولم تأخذها على محمل الجد، واعتبرت إدارة دار الإيواء أنه شي مشين ان يحدث ذلك، فعلا كان وعي الأهالي باحتياجهم أعلى بكثير من وعي الإدارة”. وتضيف رنا “كانت النساء يتحدثن بشكل علني في الجلسات عن مشاكل الخصوصية وعدم وجود مكان مناسب للاختلاء بأزواجهن، وأتذكر تماما أنهن طلبن وجود مواد لها علاقة بالعناية الشخصية المرتبطة بالعلاقة الجنسية، وهو ربما مشابه لما تم الترميز له في فيلم خيمة 56 بقطعة “اللانجري” “الملابس الداخلية”، لذلك كانت العلبة الخاصة بالنساء التي توزع بالمخيمات تشمل مواد إزالة الشعر المعروفة بالواكس، إضافة لحبوب منع الحمل، كان الوعي بالاحتياج عند الناس اللي نزحوا متقدما، ويتم التصريح به بشكل صريح أكثر من الجدال حول الفيلم في السوشيال ميديا، الذي وصل لدرجة أن يعتذر الممثل الذي شارك في الفيلم من أهالي حوران، باعتباره تضمن إساءة، بالعكس كان هذا الكلام يطرح بشكل واضح فيً المخيمات، وكانت النساء يحكين للاخصائيات الاجتماعيات بشكل واضح وصريح ، بس يمكن ظهوره للإعلام هو الذي عمل ضجة”، وكما قالت رنا فإن الإعلام يمثل مشكلة ملازمة للفضيحة والعار، خاصة عندما يتعلق الأمر بتابوهات محرم مناقشتها ومعالجتها، فالناس بمجتمعاتنا لا يهمهم أن تشب النيران داخل بيوتهم، ما دام الجيران لا يشتمون رائحة الدخان!

ولدى رنا النبكي الكثير لترويه لنا من تجربتها الغنية كاخصائية اجتماعية، استمرت لسنوات، من دمشق حتى مخيمات الشمال السوري، ومنها ظواهر أكثر خطورة تنتشر عادة في مخيمات النزوح خلال الحروب، مثل التحرش الجنسي واستغلال حاجات النساء للمعونات الغذائية، وحدوث هذه الحالات يصنف في ظروف الحروب ضمن ما يطلق عليه “الجنس مقابل السلة الغذائية”، وكذلك تزداد حالات التحرش الجنسي، وهي حالات تكاد تكون متطابقة في معظم مخيمات النزوح التي عرفناها في حروب المنطقة من غزة لسوريا والعراق، وآخر الحالات التي وثقت وقعت في مخيمات النزوح في شمال العراق، حيث استغل القائمون على إدارة المخيم حاجة بعض النسوة لمساومتهن، وكذلك وقع الكثير من حالات التحرش والاستغلال في تجمعات النازحين في مدارس الأونروا خلال حرب غزة. وتشرح رنا إحدى الحوادث التي رصدتها في دور الإيواء بدمشق في بدايات الثورة “كان هناك سوء استخدام للسلطة من قبل بعض المسؤولين في إدارة دور الايواء، وقعت مع سيدة، كانت تمارس الجنس مع حارس في دار الإيواء مقابل السماح لها بالخروج لساعات وأخذ سلات غذاء إضافية”.
وقد لاحظت أن السبب الذي دفع الكثيرين لانتقاد العمل، هو هوية كاتبة السيناريو سندس برهوم وتصنيفها كموالية للنظام، وقد يكون من الصحيح الأخذ بعين الاعتبار تأثر الكتاب وسائر المهنيين بميولهم المذهبية والطائفية والسياسية، لكن أيضا من الخطأ النظر لمجتمع الموالاة ككتلة واحدة دون تباينات، وافتراض كلما يصدر منه هو مسيّس وخاضع لبوصلة العداء للثورة. وهنا أود الحديث عن تفاصيل عرفتها عن قرب في بدايات الثورة عن محيطها، فهي زوجة الممثل السوري الراحل نضال سيجري النجم المحبوب والمنتمي للطائفة العلوية، وقد التقيته قبل وفاته بفترة قصيرة في دمشق مع المخرج المعروف الليث حجو، وكانت الثورة قد انطلقت وبدأت الانقسامات بين المثقفين والفنانين تظهر للسطح، ولكن كان سيجري وحجو ومجموعة من الفنانين قد اتخذوا بالفعل مواقف جريئة في مساندة الكثير من مطالب المتظاهرين، ومارسوا مع مجموعة من الفنانين نشاطات ميدانية في إعانة النازحين، وفي ذلك اللقاء مع الليث حجو والراحل سيجري في باب توما بدمشق، حيث كان يمكننا سماع رصاص الاشتباكات في جوبر خلال الحديث، قال سيجري كلاما واضحا عن اعتراضه على الكثير من سياسات النظام، وروى تفاصيل لقاء حضره مع بشار الأسد وتحدث فيه منتقدا، أما المخرج المتميز مهنة وخلقا الليث حجو، فقد كان أيضا متوازنا في طرحه لما يحدث، لكنه كان يعيش حالة من الحيرة والتروي قبل اتخاذ رأي حاسم، وقد روى طبيعة تلك البيئة الفنية والعائلية التي زادت من حيرته، فوالده المخرج عمر حجو كان مؤيدا بشراسة للنظام، وشقيقه الصغير كان مؤيدا بشدة للثورة، لدرجة أنه اعتقل مرتين في مظاهرات دمشق، وهكذا فقد كان الليث حجو حائرا بين قطبين في العائلة، ومثلهما في الوسط الفني، وبغض النظر عن تطورات موقفه لاحقا، فإنه المطلع على معسكر الموالاة “إن صحت تسميته” سيعرف كيف يحتوي تباينات ودوافع مختلفة، إن كانت مذهبية أو مصلحية أو حتى قناعات أيديولوجية حقيقية، ولا يصح النظر لهم ككتلة صماء واحدة، ولا يمكن تصنيف كل ما يصدر عن “الموالين” فنيا أنه مجرد “تشبيح”!

*كاتب فلسطيني من أسرة “القدس العربي”

*المصدر: القدس العربي

تعليق على المقال كتبه محمد إقبال بلّو

مقالة هامة تحتوي لقاءات وشهادات للكاتب والصحفي الفلسطيني والصديق العزيز وائل عصام عن الضجة التي أثيرت حول الفيلم خيمة56

يركز الكاتب على نقطتين أساسيتين متعلقتين بموجة الانتقاد للفيلم وهما الموقف المجتمعي من قضية طرح حاجة المرأة للجنس بشكل علني واعتبار المجتمع الحديث حول الجنس ممنوعا وغير أخلاقي، والنقطة الثانية تتعلق بالتوجه السياسي أو حتى الطائفي لصنّاع الفيلم ومنهم الكاتبة، واعتبار المعارضين خاصة أن كل ما ينتجه الموالون للنظام السوري سيئا وأهدافه غير بريئة.

باعتقادي الكاتب محق في كل ما ذكره، لكن كان من المفترض أن يضيف أسبابا أخرى كانت متوفرة وهامة ساهمت في موجة الانتقاد للفيلم، وهناك وجهات نظر كثيرة حول الموضوع لا تتعلق لا بالطائفة ولا بالموالاة والمعارضة ولا بتحريم الحديث حول الجنس،

أنا مثالا سجلت فيديو قلت فيه رأيي والذي يحتمل الخطأ قبل الصواب لكنه رأيي، وركزت فيه على انتقاد الفكرة التي قدمت كحل فلماذا لا تكون هنالك خيمة للعب الأطفال مثلا يذهب إليها الأطفال عند رغبة الزوجين بممارسة الجنس، باعتقادي أن وجود مكان واحد يمارس الجنس فيه جميع الأزواج أمر مهين بالفعل وأين تلك الخصوصية، أظن بأن السرير أو الفرشة أو أو تلك الأشياء المتعلقة بممارسة الجنس لها الأهمية ذاتها التي للجنس، كما أرى أن المبالغة في رغبة النساء كانت فجة، فتلك التي تريد الجنس كل ثانية وكل دقيقة وكل يوم وكل شهر وكل سنة.. يعني مبالغة لا تخدم القضية لو اعتبرنا أن الفيلم يهدف لمعالجة قضية.

نعم يحق للمرأة أن تطالب بمكان مناسب لممارسة الجنس مع زوجها كما هو من الجيد تسليط الضوء على هذه المشكلة ومحاولة إيجاد حلول لها، لكن ربما أن الكاتبة صاغت الفكرة والسيناريو دون بحث عميق عن الحلول الممكنة وطريقة التقديم، أو ربما بالفعل لم يكن الهدف بريئا! وأقول ربما..

فلم ننفي نحن وينفي الكاتب ذلك نفيا قاطعا؟!

وأود أن أختم بأن هذه المشكلة منتشرة بكثرة في مجتمعنا حتى قبل التهجير والعيش في المخيمات، فالآلاف من الأسر كانت تعيش في غرفة واحدة، وكانوا يمارسون الجنس بالتأكيد.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s