ومازال باسم يحب رباب

كتب علي صقر:

كان البكاء أول ما نطقتُ به يوم أخرجتني أمي من رحمها.

وأول ترجمة لبكائي كان يوم دخلت المدرسة وقدمَتْ لنا المدرِّسة دفتراً أبيض مخططاً وقلم رصاص ومحاية.

أول ما كتبته ولوثتُ به بياضَ دفتري كان عبارة: باسم يحب رباب.

رسمت بالقلم تنورة آنستي مع سيقانها البيض، ومن شدة بياضهما لم استعمل قلم الرصاص إلا قليلاً، وكتبت: باسم يحب آنسته أم التنورة القصيرة.

سقط الدفتر مني وعند انحنائي لالتقاطه، نظرتُ الى سيقان آنستي فشعرتُ أن تنورتها أقصر مما رسمتها، فمحيت الزائد من التنورة، أي أصبحت فوق الركبة بشبرٍ.

في الصف الخامس أعطوني قلماً ناشفاً ماركة بيك المشهورة إنما من دون ممحاةـ وقتها كانت مُدرِّستي آنسة مادة القومية، والتي لا أحبها كما لا أحب دروسها فمحيت كل تلك الشعارات، لكي تنتقل تلك الشعارات إلى مريولي المدرسي وقبعتي الطلائعية، وكلما غسلت أمي المريول والقبعة، كنت أرجو أن تنمحي عنه تلك الشعارات.

وكانت بقع الزيت من جراء سندويشة الزيت والملح المنسكب على المريول تزول، وتبقى البقع الشعاراتية المطبوعة عليه وعلى قبعتي جاثمة على قلبي وعلى رأسي.

فيما بعد علموني الصفقة الطلائعية، فرسمتْ رفيقتي على كفي الأيسر فمها، ورسمتُ على كفها الأيمن فمي وبدأنا بالتصفيق الطلائعي الحار.

في الصف التاسع اشترى لي والدي قلم حبرٍ ومعه عبوة حبر كي أملأ القلم كلما نقص، كنت ألوِّث الأبيض الورقي بحبي لأنسة الرياضيات، رسمت لها مثلثاً، تدخلت مدرِّسة مادة القومية وقالت: هذا ليس مثلثاً، هذا مخيمٌ للنازحين.

وأذكر أنني قرأت ذات يوم عن فتاة خيطت لها أمها تنورة من اليافطات المحشوة بالشعارات، وأذكر جيداً أنه، ومع أول هطول للمطر انمحت تلك الشعارات، يومها كانت آنسة مادة القومية تردد الشعار لمن تبقى من طلابها وهي تضع مظلة فوق مريولها الأكبر حجماً من طلابها، لخوفها من أن تمحى تلك الشعارات وتخسر راتبها.

كنت أرسم لرفيقتي الطلائعية، والتي أصبحت أنا وأياها شبيبين مع تغير الشعارات، وظهور حب الشباب في وجهينا، رسمتُ بقلم الحبر قلباً زائد الحرف الأول من اسمي واسمها، وعندما اقترب مني مدرب الفتوة لم أجد طريقة لمحي القلب والحرفين إلا أن أدلق علبة الحبر فوق الرسمة، فتشَّ الورق والقلب وأنا وحرفينا، وكانت العقوبة لي الرقصة الروسية، ومن ثم الزحف فوق ساحة المدرسة الإسمنتية فتنوعت بزحفي على صدري، ومن ثم على قبعة رأسي، لعل تلك الشعارات تمَّحي جراء احتكاك بدلتي الفتوة بالإسمنت المسلح بضلوعي، وكادت نظرات الرفيقة الشبيبية أم الحبوب النافرة، وحبوبها النافرة نتيجة الكبت الجنسي وغيره أن تنفجر بوجه مدرب الفتوة:

وما زالت رباب تحب باسم، وباسم يحب رباب.

وفي البيت، كانت تنتظرني العقوبة من والدي الذي نهرني لأن المدرب عاقبني، بينما أخذت أمي تضمد لي جراحي وترقع بدلة الفتوة.

في المرحلة الثانوية

تعددت أنواع الأوراق والدفاتر والأقلام وأصبحت أكثر أناقة وإثارة لدافع الكتابة، وفي حصة الموسيقى رسمت لي السلم الموسيقي، وتسلقتُ سلمها من دون دو ري مي … ونحن.

ولابد من بعد ساعة الموسيقا والرياضة أن يكون أو تكون الحصة الأخيرة لمدرسة مادة القومية، التي تأخذ بالتنظير، وعملياً يكون التنفيذ لمدرب الفتوة.

وكأنهما يذكراني بمراهقتي والتي ما زلت أعيشها عند دخولنا للسينما في السبعينيات بطرطوس، حيث كنا نشاهد أفلام إباحية، وبعد الفيلم مباشرة يجبروننا على مشاهدة فيلم كارتيه لبروس لي ومشاهد من الرعب لهتشكوك لكي يخف الحماس الجنسي عندنا، ومن يومها بدأ ينفر حب الشباب بوجوه جيلي.

وحرقت مدربة الفتوة كل رسوماتي

وما زال

باسم يحب رباب..

وبالعودة لرسوماتي الأولى

كتب أستاذ الرسم كلمتين

الأولى ملح، والثانية للعهد. وطلب منا أن نوصل نهاية كل حرف ببداية كل حرف، وكانت دهشتي من وصلي للملح ليبان لي وجه لا أعرفه، وبصلني للعهد بان لي وجه لا أعرفه وإلى الآن لا أحبه، وللعهد باقون كما بقيت رباب تحب باسم.

لا أحد يسألني عن تتمة مراحلي الدراسية أي الجامعة، لأنني بعد البكالوريا دخلت مستشفى ابن سينا للأمراض العقلية بدمشق، وعلى الباب الدخول مكتوب على أورمة نحاسية صغيرة مستشفى ابن سينا يرحب بكم.

رسم لنا الطبيب بالطباشير مسبح ولونه بألوان الماء وطلب منا السباحة، هنا تذكرت والدي ورسمه للبحر كلما كنَا نشتاقه، فما كان من رفاقي بالمستشفى سوى الغوص بالسباحة داخل المسبح الذي رسمه لنا الطبيب، ومع نفور الدم من رؤوسهم وكامل أعضائهم، في حين أنا بقيت واقفاً على حافة المسبح وبيدي صفارة، وهنا الدكتور قال لي مبروك لك التخرج من العصفورية لأنك الوحيد الذي لم يسبح.

قلت له لأنني كنت المنقذ ولولا صفارتي وتنبيههم لغرق الجميع..

وأنا خارج من المستشفى شاهدت أورمة بحجم الوطن، كُتب عليها (مستشفى ابن سينا يرحب بكم).

ويافطات تزين الشوارع بشعارات مواربة.. باسم يحب آنسة القومية.. ورباب تحب مدرب الفتوة.. وملح مدرس الرسم مازال مصراً على وصل ملح، أي وصل الحاء بالميم ليبان وجه يحاول أن يبتسم..

ومصراً بوصل حرف اللام بحرف الدال، لكلمة للعهد، لنستمر برسم للعهد، وباقون ونتمدد..

ومازالت رسومات ممتاز البحرة تزين شوارعنا..

ألف بي وبوبايه قلم رصاص ومحاية باسم بيكتب عالحيطان ومدرب الفتوة بيمحي وراي..

*كاتب سوري

*مختارات

*من صفحة الكاتب السوري علي صقر في فيسبوك

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s