محمود غزال: امتحان القدرة على تحويل التفوق العسكري والتشريعي إلى استقرار سياسي

Written by:

محمود غزال: امتحان القدرة على تحويل التفوق العسكري والتشريعي إلى استقرار سياسي

لم يعد شرق الفرات مجرد ساحة مؤجلة من ساحات الصراع السوري، بل تحوّل مع مطلع عام 2026 إلى الامتحان الأثقل للدولة السورية في طورها الجديد: امتحان القدرة على تحويل التفوق العسكري والتشريعي إلى استقرار سياسي قابل للحياة، لا إلى سيطرة هشة مؤقتة.
فالعلاقة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) دخلت فعلًا مرحلة الحقيقة، لكن هذه الحقيقة أكثر تعقيداً من سردية “الحسم” وأبعد من أوهام “الاستمرار”.

1. ميدان يناير: قوة تتقدم… لا تحسم وحدها

التحركات العسكرية التي أفضت إلى استعادة الطبقة ومطارها وإبعاد سيطرة قسد من غرب الفرات وربما السيطرة على كامل دير الزور تمثل تحولًا نوعياً في موازين القوة. لكنها، خلافاً لما قد يوحي به الخطاب المتحمس، لا تعني نهاية الصراع ولا سقوط كل القيود السابقة. ما جرى هو انتقال من مرحلة الردع المتبادل إلى مرحلة فرض الوقائع التدريجية. دمشق تفاوض اليوم من موقع أقوى، نعم، لكن هذا التفاوض ما زال يجري داخل شبكة توازنات دولية، لا في فراغ سيادي كامل.

القوة هنا ليست بديلاً عن السياسة، بل أداة ضغط لإعادة تعريفها. وأي قراءة ترى في التقدم الميداني نهاية للملف، تقع في فخ الخلط بين السيطرة والقدرة على الحكم.

2. المرسوم 13: كسر الاحتكار لا إنهاء الصراع

يشكّل المرسوم رقم 13 محطة سياسية مفصلية، لأنه أنهى احتكار قسد لخطاب “الحقوق الكردية”، ونقلها من ساحة المقايضة المسلحة إلى إطار المواطنة الدستورية.
هذا تطور حقيقي لا يمكن التقليل من شأنه. لكنه في الوقت ذاته لا يكفي وحده لتفكيك بنية سياسية وأمنية تراكمت على مدى سنوات.

المرسوم أضعف شرعية “الإدارة الذاتية” بوصفها ممثلاً حصرياً للكرد، لكنه لم يُنتج بعد الثقة اللازمة لتحويل النص القانوني إلى عقد اجتماعي فعلي. هنا يكمن الفارق بين سحب الذريعة وبين إنهاء الصراع: الأول تحقق، والثاني ما زال رهين التنفيذ والضمانات.

3. الاقتصاد السياسي: الموارد كرافعة ضغط لا كغنيمة

لم يعد النفط والقمح مجرد أدوات تمويل، بل تحولا إلى قلب معركة السيادة. موقف الدولة الرافض لتقاسم الموارد السيادية يعكس تصوراً وطنياً جامعاً ، لكنه يواجه تحدياً عملياً: كيفية نقل السيطرة دون تفجير البنية الاجتماعية الهشة شرق الفرات.

انتفاضات العشائر العربية وتآكل نفوذ قسد في العمق الاجتماعي مؤشرات مهمة، لكنها ليست ضمانة تلقائية للاستقرار. فالعشائر فاعل براغماتي، يتأثر بالخدمات والأمن بقدر ما يتأثر بالسياسة. إدارة هذا الانتقال ستحدد إن كانت الموارد رافعة لإعادة الإعمار أم شرارة لفوضى جديدة.

4. الدور الأمريكي: إدارة التفكك لا صناعة النصر

الولايات المتحدة، عبر مبعوثيها وقنواتها المفتوحة، لا تعمل على “تسليم” شرق الفرات لدمشق، ولا على إنقاذ مشروع قسد كما كان. دورها أدق وأكثر برودة:
• منع الانهيار الأمني،
• احتواء ملف داعش،
• وتفادي حرب إقليمية جديدة.

الضغط الأمريكي يتجه نحو إعادة تعريف قسد، لا إنهائها ولا تمكينها. خيار “الاندماج المنضبط” ضمن هياكل الدولة السورية، مع ضمانات أمنية محدودة، يبدو المسار المفضل لواشنطن، لأنه الأقل كلفة والأكثر قابلية للضبط. أي قراءة ترى في هذا الموقف ضوءاً أخضر لحسم عسكري شامل، تتجاهل تاريخ السياسة الأمريكية في إدارة النزاعات لا إنهائها.

5. حتمية السياسة: عقد اجتماعي لم يولد بعد

السيناريو الأكثر واقعية ليس الحرب الشاملة ولا الاستسلام الفوري، بل عملية تفكيك بطيئة لبنية الأمر الواقع، تُدمج فيها قسد تدريجياً داخل الدولة، مقابل اعتراف عملي بالحقوق، لا الاكتفاء بالنصوص. العقد الاجتماعي الجديد لم يولد بعد، لكنه يُفرض اليوم بشروط مختلفة: دولة أقوى، هوامش أضيق، ومجال أقل للمشاريع العابرة للحدود.

يمكن القول أن:
استقرار شرق الفرات لن يصنعه إعلان نصر ولا مرسوم واحد، بل القدرة على تحويل القوة إلى ثقة، والنصوص إلى ممارسة. سوريا 2026 لا تتجه نحو محاصصة، لكنها أيضاً لا تحتمل سيادة شكلية.
المواطنة هي الأساس، نعم، لكن اختبارها الحقيقي سيكون في التنفيذ، لا في الخطاب. وكل تأخير في فهم هذه المعادلة، من أي طرف، لن يكون خسارة سياسية فقط، بل مخاطرة بإعادة إنتاج الأزمة بثوب جديد.

المصدر: صفحة الكاتب في فيسبوك

أضف تعليق