محمود غزال: سورية بين إدارة الوقت وبناء الدولة

Written by:

يميل النقاش حول السلطة السورية الراهنة إلى ثنائية مريحة لكنها مضللة:

 إما تبرير أدائها باسم الاستقرار وضرورات المرحلة، أو رفضها أخلاقياٍ دون تفكيك واقعي لمنطق الحكم القائم. كلا الموقفين يتجاهل السؤال الجوهري: ليس ما إذا كانت السلطة أمراً واقعاً، بل أي نموذج حكم يُبنى فوق هذا الواقع؟ وإلى أين يقود؟ 

ما يتشكل اليوم ليس دولة مؤسسات، بل نمط سلطة شبكية مغلقة تُستبدل فيها المؤسسات بالعلاقات، وتُقدَّم الثقة والولاء على الكفاءة، ويُحتكر القرار ضمن دائرة ضيقة غير خاضعة للمساءلة. هذا النموذج قد يحقق ضبطاً أمنياً مؤقتاً، لكنه عاجز بطبيعته عن إنتاج سياسات عامة، أو إدارة التنوع الاجتماعي والمناطقي، أو توليد شرعية مستدامة. هو إدارة أزمة، لا مشروع دولة.

تتعمق الإشكالية مع الخلط بين الخبرة العملية والخبرة المؤسسية. إدارة منطقة محدودة _تحربة ادلب _ عاشت على المساعدات والاقتصاد الريعي لا تعني امتلاك أدوات إدارة دولة معقدة: اقتصاد كلي، نظام ضريبي، تشريع، قضاء، وعقد اجتماعي جامع. الخبرة التي لا تتحول إلى معرفة مؤسسية تعيد تدوير الأزمة بدل تجاوزها.

الاستقرار النسبي القائم اليوم هو في جوهره نتاج معادلة خارجية أكثر منه قوة داخلية. الولايات المتحدة تتعامل مع سورية كملف يجب ضبطه بأقل كلفة، لا كمشروع دولة يُعاد بناؤها. والموقف العربي تحركه مخاوف الانهيار والرغبة في استقرار المنطقة ، لا الإيمان بنموذج الحكم القائم. الدعم هنا وظيفي ومؤقت، يهدف لمنع الأسوأ لا لصناعة الأفضل.

ضمن هذا السياق، يُعاد إنتاج خطاب التهديدات بوظيفة سياسية. يُستدعى خطر قسد رغم تراجعها الواقعي لتكريس سردية “الاستقرار مقابل الفوضى”، وتُختزل حراكات السويداء أو التململ في الساحل كتهديدات أمنية، بينما هي في حقيقتها مؤشرات على أزمة ثقة عميقة مع مركز لا يُنظر إليه كدولة جامعة بل كشبكة حكم مغلقة.

المعضلة الأساسية ليست تقنية بل سياسية. الافتراض بأن السلطة الشبكية يمكن أن تتحول طوعاً إلى حكم مؤسسي يتجاهل منطقها الداخلي. فالمأسسة تهدد امتيازات الشبكة وتفكك احتكارها للقرار والموارد، والتحول تاريخياً لا يحدث بالاقتناع بل بتغير كلفة الاستمرار. الأخطر أن الفاعل القادر على فرض هذا التحول لا يزال غائبًا: لا ضغط خارجي مشروط بالحوكمة، ولا تحالف داخلي إصلاحي، ولا عقد اجتماعي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.

في ظل ذلك، يصبح الحديث عن إصلاح إداري أو تكنوقراط أو إعادة تنظيم الموارد مجرد توصيات نظرية ما لم يُمس جوهر السلطة ذاتها. 

دون فصل حقيقي بين الدولة والشبكة، ودون مساءلة شفافة، ودون شراكة حقيقية مع الأطراف، سيبقى الاستقرار هشاً، والدعم الخارجي قابلاً للتبدل عند أول تغير في المصالح.

السلطة التي تُشرعن خارجياً  قبل أن تُبنى داخلياً قد تنجح في إدارة الوقت، لكنها لا تصنع مستقبلاً. قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تلغيه. 

والسؤال الذي تفرضه هذه اللحظة لم يعد عن شرعية الأمر الواقع، بل عن القدرة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء دولة تحكمها المؤسسات لا العصبيات، والمعرفة لا الولاءات، والقانون لا الشبكات.

*كاتب وباحث في العدالة الانتقالية والحوكمة

أضف تعليق