محمود غزال: هل انتهى “الشرق الأوسط” الذي عرفناه منذ 40 عاماً؟

Written by:

هل انتهى “الشرق الأوسط” الذي عرفناه منذ 40 عاماً؟

منذ نهاية السبعينيات، وتحديداً عام 1979، كان الشرق الأوسط يتحرك وفق “قواعد لعبة” واضحة. في ذلك العام وقع حدثان قلبا المعادلة الإقليمية: الثورة الإيرانية التي حولت طهران من حليف للغرب إلى خصم استراتيجي، واتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، التي أخرجت القاهرة من معادلة الحرب المباشرة.

على مدى أربعة عقود، حافظت المنطقة على هذا التوازن الهش: إيران بنت نفوذها عبر حلفاء وفصائل في لبنان وسوريا والعراق واليمن، بينما إسرائيل وحلفاؤها اعتمدوا على المظلة الأمنية الأمريكية. الصراعات كانت غالباً “بالوكالة”، والجميع يعرف حدود القوة، وكانت هناك معادلة غير مكتوبة لضمان ما يشبه “توازن الرعب”.

لكن اليوم، تتفكك هذه القواعد، ويبدو أننا أمام مرحلة جديدة، ربما النهاية الفعلية للنظام القديم الذي عرفناه منذ 1979.

تآكل أوراق القوة

لسنوات طويلة، كانت قوة إيران تعتمد على أدوات خارج حدودها: حزب الله في لبنان، العمق الاستراتيجي في سوريا والعراق، والوجود المتنامي في اليمن. هذه الشبكة مكنت طهران من توسيع نفوذها دون مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.

لكن اليوم، مع الضربات العسكرية المتتالية، وتجاوز إسرائيل للخطوط الحمراء التقليدية، أصبحت هذه الشبكة في موقف دفاعي صعب. السؤال الذي يطرحه المحللون الآن: هل كشفت الحرب الحالية حدود القوة الإيرانية؟ وهل يمكن لإيران إعادة بناء نفوذها بنفس الطريقة القديمة، أم أن أدواتها التقليدية أصبحت مستهلكة؟

طوفان الأقصى: نقطة التحول

عملية السابع من أكتوبر لم تكن مجرد مواجهة في غزة، بل كانت الزلزال الذي هدم جدران “الاستقرار الهش”. إسرائيل لم تعد تكتفي بسياسة “إدارة الصراع”، بل انتقلت إلى سياسة “تغيير الواقع” بالقوة العسكرية المباشرة.

المواجهة امتدت بسرعة من غزة إلى لبنان واليمن، بل شملت المواجهة المباشرة بين طهران وتل أبيب، مما كشف هشاشة النظام القديم الذي عرفناه منذ أربعين عاماً، وأعاد رسم حدود النفوذ الإيراني داخل المنطقة بشكل حاد.

اللاعب الأمريكي والدولي

اليوم، الصراع في الشرق الأوسط لم يعد إقليمياً فقط، بل أصبح ساحة مواجهة عالمية. الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، تقود معركة كسر العظم ضد النفوذ الإيراني، ليس فقط عسكرياً، بل اقتصادياً واستراتيجياً:

السيطرة على الموارد الحيوية: احتياطيات الطاقة والممرات الاستراتيجية، والحد من قدرة إيران على التصدير بحرية.

الضغط على الصين: منع أي استثمار صيني مباشر في إيران وقطع أي طرق نفوذ اقتصادي محتملة عبر طريق الحرير الجديد.

الضغط الإقليمي: تراجع نفوذ إيران في سوريا ولبنان، وإضعاف حلفائها التقليديين لإجبار طهران على إعادة ترتيب حساباتها.

روسيا تبدو محدودة التأثير حالياً بسبب انشغالها بالحرب في أوكرانيا، رغم امتلاكها أدوات نفوذ في سوريا والعراق. أما الصين، فهي تركز على مصالحها الاقتصادية وطريق الحرير، وتتبنى سياسة الحياد الاستراتيجي، لتجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

التحولات الإقليمية الكبرى

الدول الإقليمية نفسها تشهد تحولات غير مسبوقة:

سوريا: بعد سقوط نظام الأسد وهروبه إلى موسكو، دُمّرت معظم مقدرات الجيش السوري الدفاعية، ولم يعد هناك أي أدوات نفوذ تمكن الدولة من استعادة السيطرة.

لبنان: حزب الله هُزم في مختلف ساحات الصراع الإقليمي، واليوم الحكومة اللبنانية تتجه نحو تسليم سلاح الحزب بالكامل للدولة، في خطوة تاريخية تعيد الدولة مركزيتها الأمنية.

اليمن: الحوثيون يواجهون قيوداً متزايدة بعد التراجع الإيراني، والضغوط الأمريكية والإقليمية تحد من قدرتهم على التوسع العسكري.

تركيا والسعودية: تحاولان إعادة رسم تحالفات جديدة قائمة على المصالح الاقتصادية والأمنية، بعيداً عن الانقسامات الأيديولوجية القديمة.

هذه التحولات تجعل المنطقة في حالة سيولة متزايدة، حيث تتغير التحالفات باستمرار ويصبح الاستقرار التقليدي شبه مستحيل.

إلى أين نتجه؟

يمكن تلخيص السيناريوهات المستقبلية في ثلاثة احتمالات:

1. نظام تقوده المصالح: تحالفات اقتصادية وأمنية جديدة تقودها دول مثل السعودية وتركيا، مع توازن دقيق مع النفوذ الأمريكي، ومراعاة محدودية الدور الروسي-الصيني.

2. حالة السيولة: استمرار التحالفات المتغيرة والصراعات المتقطعة، حيث لا توجد قوة واحدة مسيطرة، مع ارتفاع خطر المواجهات الإقليمية والدولية.

3. مرحلة الفوضى: استمرار ضعف الدول المركزية مثل سوريا ولبنان واليمن، مما يجعل المنطقة ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، مع احتمال انفجار أزمات كبيرة في أي لحظة.

خاتمة: الشرق الأوسط القادم

يشبه البعض ما نمر به اليوم بما حدث بعد الحرب العالمية الأولى عام 1918، عندما سقطت الإمبراطورية العثمانية وأعيد رسم حدود المنطقة. لكن الفرق اليوم أن إعادة ترتيب القوى تتم عبر الصراعات العسكرية، التحالفات الأمنية، والممرات التجارية العالمية، مع تدخل مباشر من اللاعبين الإقليميين والدوليين.

الشرق الأوسط القادم لن يشبه ما عرفناه خلال الأربعين عاماً الماضية: القوى القديمة تتراجع، أدوات النفوذ التقليدية لم تعد صالحة، واللاعبون الجدد يضعون قواعد اللعبة وفق مصالحهم، بعيداً عن أي توازن سابق أو استقرار هش. ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل مرحلة إعادة ترتيب تاريخية قد تحدد شكل المنطقة لعقود قادمة.

*كاتب وباحث في العدالة الانتقالية والحوكمة

أضف تعليق