مقترح اعتماد 13 مارس/ اذار يوماً عالمياً لذوي الهمم المسلمين والعرب
(قراءة في الإنصاف النبوي)
بقلم : ماهر حميد
عانت فئة ذوي الاحتياجات الخاصة عبر التاريخ القديم من تهميش منهجي وقسوة مجتمعية؛
فلم تخلُ حضارات كبرى من ممارسات إقصائية؛ كان العجز الجسدي يُفسر غالباً كـ “لعنة إلهية” أو “عبء اجتماعي”.
فقد عمد المصريون القدماء إلى عزلهم في أماكن نائية. وساد اعتقاد ديني آنذاك بأن الإعاقة “غضب إلهي”، وهو ما انعكس في بعض النصوص القديمة
حيث كان اليونان والرومان يتخلصون من الأطفال المعاقين، أو كان يتم القائهم خلف جدران الإهمال
بينما اكتفت الشرائع القديمة بنصوص متذبذبة بين النهي عن الأذى وبين اعتبار الإعاقة مانعاً من السيادة ومن دخول الهياكل المقدسة
و تراوحت النصوص بين النهي عن إيذائهم وبين نصوص أخرى حملت نبرة إقصائية كما ورد في بعض أسفار العهد القديم.
ورغم أن الإنجيل قدم نموذجاً رحيماً من خلال معجزات الشفاء للسيد المسيح، إلا أن التمكين الفعلي والمساواة السياسية لم يتحققا إلا بظهور الإسلام.
جاء التحول الجذري في سورة “عبس”، التي لم تكن مجرد آيات قرآنية، بل إعلاناً إلهياً يضع “الأعمى” في كفة مساوية لأي شخص آخر،
معاتبةً الرسول الكريم ﷺ حين انشغل عنه بوجهاء مكة. هذا العتاب ترك أثراً عميقاً في وجدان النبي ﷺ، لدرجة قيل معها أنه استشعر وطأة فقد البصر لحظياً ليدرك إحساس ابن أم مكتوم.
ولم يتوقف الإنصاف عند حدود العاطفة، بل انتقل إلى التمكين السياسي؛ ففي 13 مارس 624م، وأثناء خروج النبي ﷺ لغزوة بدر، اتخذ قراراً تاريخياً بتعيين عبد الله بن أم مكتوم (الأعمى) حاكماً على المدينة المنورة في غيابه.
ويمثل هذا التاريخ لحظة فارقة، إذ يُسجل كأول واقعة في التاريخ يتولى فيها شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة منصب “حاكم” لدولة، وقد تكرر هذا الاستخلاف لاحقاً 13 مرة ، منها حجة الوداع،
مما يثبت أن الكفاءة هي المعيار الوحيد للقيادة.
بناءً على هذا الإرث الإنساني العظيم الذي كسر قيود التاريخ القديم، نجد أن يوم 13 مارس هو الأجدر بأن يكون يوماً للاحتفاء بأصحاب الهمم المسلمين، تخليداً لذكرى أول حاكم كفيف، وتأكيداً على أن القدرة تكمن في الروح والبصيرة، لا في الجسد.
إن انتقال السلطة لابن أم مكتوم لم يكن حدثاً عابراً، بل كان حجر الأساس الذي بنى عليه الخلفاء بنياناً
الوليد بن عبد الملك (الرائد الأول):
يُسجل التاريخ للخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (سنة 707م) أنه أول من أنشأ “البيمارستانات” (المستشفيات) المتخصصة، وكان أول من شرع نظام الخدمات المساعدة؛ حيث خصص لكل أعمى قائداً، ولكل مقعد خادماً يتولى شؤونه، وأجرى لهم رواتب ثابتة من بيت مال المسلمين لضمان حياة كريمة ومستقلة.
عمر بن عبد العزيز (الحماية الاجتماعية):
قام الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز بتوجيه الولاة في الأمصار لإحصاء ذوي الاحتياجات الخاصة، وأمر بصرف مبالغ شهرية لكل منهم، كما شدد على ضرورة تعيين “قائد” لكل كفيف يتولى مرافقه في الطرقات والمساجد، في صورة مبكرة جداً لما يُعرف اليوم بـ “المرافق الشخصي”.
الخلفاء العباسيون (التمكين العلمي):
في العصر العباسي، فُتحت أبواب “بيت الحكمة” والمراكز العلمية للمكفوفين وذوي الهمم، مما برز معه علماء فطاحل رغم إعاقتهم الجسدية، مثل عطاء بن أبي رباح الذي كان مفتي مكة وأحد أعلم الناس في زمانه رغم شلله وعرجه، والشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري الذي قاد حركة فكرية كبرى وهو كفيف.
نظام الأوقاف الإسلامي:
تطورت الرعاية لتصبح ثقافة مجتمعية عبر “الأوقاف”؛ حيث وُجدت أوقاف مخصصة لتزويج المكفوفين، وأخرى لتوفير الأدوات التي تساعدهم على القراءة والكتابة، وأوقاف لتعليم الحرف اليدوية التي تناسب إعاقتهم، مما ضمن لهم دمجاً اقتصادياً وليس فقط رعاية استهلاكية
*مهندس، كاتب وباحث سوري
*المصدر: صفحة الكاتب في فيسبوك



أضف تعليق